وهو شئ ما كان يمكن أن يحدث لو بقيت حركة الجهاد الإسلامية كما كانت في مبدئها، ولم تتحول إلى حركة وطنية على يد الزعيم الكبير!
والهدف الثالث هو تيسير عملية " التغريب " من خلال تحويل حركة الجهاد الإسلامى إلى حركة وطنية سياسية .. فحين تقوم حركة الجهاد على أساس إسلامى يكون الباب موصدا تماما بين المجاهدين وعدوهم، لا يأخذون شيئا من فكره ولا عقائده ولا تقاليد ه ولا أنماط سلوكه المنافية للإسلام. أما حين يتحول الجهاد إلى حركة وطنية سياسية فالحاجز أرق، يسمح بالأخذ .. ومعاذير الأخذ كثيرة، فقد قال " أستاذ الجيل " لطفي السيد: إن الإنجليز هم أولياء أمورنا في الوقت الحاضر. وليس السبيل أن نحاربهم، بل السبيل أن نتعلم منهم، ثم نتفاهم معهم!! " "
وأى شئ تعلم المصريون من الإنجليز؟ هل تعلموا منهم جلدهم على العمل وانضباطهم فيه؟ أم تعلموا منهم السكر والعربدة وفساد الأخلاق؟
إنما يتعلم الأولى " المجاهد " لأن المجاهد يتعلم من عدوه فضائله إن كانت له فضائل، أما " السياسى " المتسيب فالرذائل أفرب إلى قلبه لأنها سهلة لا تكلف جهدا ولا تحتاج إلى مجاهدة!
وعملية التغريب – أو الغزو الفكرى – كانت أهم ما يحرص عليه الصليبى المستعمر .. فحين يفقد المسلم شخصيته الإسلامية فإنه يفقد في الحقيقة نقطة ارتكازه .. ومن ثم فإنه يتهاوى ويضيع.
حين يظل المسلم مسلما فإنه يمكن أن " يستعير " من العالم حوله ما يحس أنه في حاجة إلى ه، دون أن يفقد شخصيته، ودون أن يفقد استعلاءه الذي يستمده من الإيمان.
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ [سورة آل 3/ 139]
وذلك ما فعله المسلمون الأوائل حين بدأوا ينشئون حضارتهم، فقد كانوا في حاجة إلى أشياء لا سابقة لهم بها وهي عند عدوهم – البيزنطى أو الفارسى – فلم يجدوا في أنفسهم حرجا على الإطلاق أن يأخذوا ما يحتاجون إلى ه من هنا ومن هناك، ولكن في استعلاء المؤمن الواثق المطمئن. فأخذوا ما رأوا أنه نافع لهم، وأعرضوا عن كثير مما وجدوه عند أعدائهم، لأنهم نظروا إلى ه بعين المسلم فأنكروه. وهذا يفسر لنا لماذا أخذوا العلوم الإغريقية ولم يأخذوا الأساطير!
أما حين " يستغرب " المسلم فإنه يفقد – أول ما يفقد – إيمانه بأنه هو الأعلى بعقيدته الصحيحة ونظامه الربانى وأخلاقياته المتطهرة وقياسه كل شئ بالمقياس الربانى .. وينظر إلى عدوه نظرة الإكبار والإجلال، فينقل عنه كل شئ بلا تحرز، بل ينقل عنه ما يضر وما يفسد في حين يعجز عن نقل ما ينفع، لأنه " واهن " بعد فقدانه الإيمان، والواهن لا يقدر على بذل الجهد الذي يحتاج إلى ه تعلم النافع من الأمور " ".
لذلك لم يتعلم " المستغربون " من الغربيين قط قدرتهم الفائقة على " التنظيم " ولا جلدهم الشديد على " العمل " ولا التزامهم الشديد " بالانضباط " في كل شئ. إنما تعلموا اللهو والعبث والمجون والرطانة بلغة الأعاجم .. وتعلموا – أسوأ من ذلك كله – التباهي بالانسلاخ من الدين والعرض والأخلاق الدينية المتطهرة من الرجس.