تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المصدرة عن عمد إلى العالم الإسلامى، من بين وسائل الغزو الفكرى الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في " غزو العالم الإسلامى " كما سمى " شاتلييه " كتابه السالف الذكر " ".

والهدف من ذلك واضح ولا شك .. فطالما كان المسلمون " مسلمين " فسيصعب على الغزاة ابتلاعهم مهما كانوا عليه من الضعف والتخلف. ذلك أن العقيدة الإسلامية عقيدة جهاد. وقد ذاق الفرنسيون في الشمال الأفريقى وذاق الإنجليز في الهند وغيرها من أقطار أفريقيا وآسيا من عقيدة الجهاد هذه ما لا يزال عالقا بنفوسهم برغم كل الضعف والتخلف الذي كان عليه المسلمون. فاقتلاع هذه العقيدة واستبدال غيرها بها أمر ذو أهمية بالغة، وساء من وجهة النظر لصليبية أو من وجهة النظر الاستعمارية البحتة، فالمسلمون لا يقبلون الاستعمار ولا يرضخون له طالما كانوا " مسلمين ". فإذا اجتمعت وجهة النظر الصليبية ووجهة النظر الاستعمارية تجاه الإسلام – كما هو واقع الأمر – كانت الرغبة في اقتلاع هذه العقيدة أكد، والعمل على استبدال غرها بها أعنف وأشد.

وبالفعل بذرت بذور الوطنية أولا في العالم الإسلامى. ثم جاء دور القومية بعد ذلك (لظروف سنبينها بعد قليل) فحققت أكثر من هدف في وقت واحد ..

كان الهدف الأول هو تحويل حركات الجهاد الإسلامى ضد الاستعمار الصليبى إلى حركات وطنية، كما فعل سعد زغلول في مصر وغيره من الزعماء " الوطنيين " على اتساع العالم الإسلامى. والحركة الوطنية تفترق عن حركة الجهاد الإسلامى بادئ ذى بدء في أنها لا تنظر إلى " العدو " على أنه " صليبى مستعمر " ولكن على أنه " مستعمر " فقط .. وفرق واضح في درجة العداء وطريقة المجاهدة بين أن يكون العدو منظورا إلى ه على حقيقته، وبين أن يكون مغلفا برداء الاستعمار فحسب.

والهدف الثانى هو تحويل حركات الجهاد الإسلامى إلى حركات " سياسية " عن طريق تحويلها إلى حركات وطنية .. فالعدو غير قادر على " التفاهم " مع الحركات الإسلامية: لأنه لا سبيل إلى التفاهم معها في الحقيقة إلا بإخراج ذلك العدو خارج البلاد، ومن ثم فلا سبيل إلى استعمال " السياسة " من جانب العدو. أما الحركات الوطنية فالتفاهم معها سهل وممكن! وعود من المستعمر بالجلاء، ويأتى الوقت الموعود فيتذرع المستعمر بشتى المعاذير لتأجيل جلائه، ويعطى وعودا جديدة يعتر عنها بدورها إذا جاء دورها .. والساسة " الوطنيون " يغضبون – أو يتظاهرون بالغضب لإرضاء الجماهير! – والجماهير تثور ثورة صاخبة – لكنها فارغة – سرعان ما تنطفي بعد الاستماع إلى خطبة رنانة من الزعيم الوطنى يعد فيها بأنه لم يفرط في شبر من الأرض، ولم يرضى بغير " الجلاء التام أو الموت الزؤام "! " " وبين هذا وذاك تجرى " مفاوضات " بن السياسة والاستعمار تنتهي إلى أشياء تافهة يلعب بها الساسة على عقول الجماهير فيوهمونها أنها " مكاسب وطنية " وقد تنتهي إلى غير شئ على الإطلاق، ومع ذلك يقول زعيم يعتبر من كبار الزعماء الوطنيين في العالم الإسلامى في العصر الحديث وهو سعد زغلول: " خسرنا المعاهدة وكسبنا صداقة الإنجليز! " ويقول " الإنجليز خصوم شرفاء معقولون "!!

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٢٤