العداء للإسلام كان عاما فيها كلها. وبعدئذ جاء زمن أخذ الشعور الدينى فيه يخبو ولكن العداء للإسلام استمر.
" ولقد يتساءل بعضهم فيقول: كيف يتفق أن نفورا قديما مثل هذا – وقد كان دينيا في أساسه وممكنا في زمانه بسبب السيطرة الروحية للكنيسة النصرانية – يستمر في أوربة في زمن ليس الشعور الدينى فيه إلا قضية من قضايا الماضى!
" ليست مثل هذه المعضلات موضع استغراب أبدا، فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التي تلقنها أثناء طفولته، بينما تظل بعض الخرافات الخاصة – والتي كانت من قبل تدور حول هذه الاعتقادات المهجورة – في قوتها تتحدى كل تعلى ل عقلى في جميع أدوار ذلك الإنسان، وهذه حال الأوروبيين مع الإسلام. فعلى الرغم من أن الشعور الدينى الذي كان السبب في النفور من الإسلام قد أخلى مكانه في هذه الأثناء لاستشراف على الحياة أكثر مادية، فإن النفور القديم نفسه قد بقى عنصرا من الوعى الباطنى في عقول الأوروبيين. وأما درجة هذا النفور فإنها تختلف بلا شك بين شخص وآخر، ولكن وجوده لا ريب فيه. إن روح الحرب الصليبية – في شكل مصغر على كل حال – ما زال يتسكع فوق أوروبة، ولا تزال مدنيتها تقف من العالم الإسلامى موقفا يحمل آثارا واضحة من ذلك الشبح المستميت في القتال " " ".
ويقول " ولفرد كانتول سميث " المستشرق الكندى المعاصر في كتاب " الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Modern History :
" إلى أن قام كارل ماركس وقامت الشيوعية، كان النبى (يقصد الإسلام) هو التحدى الحقيقى الوحيد للحضارة الغربية الذي واجهته في تاريخها كله، وإنه لمن المهم أن نتذكر كم كان هذا التحدى حقيقيا، وكم كان يبدو في يوم من الأيام تهديدا خطيرا حقا.
" لقد كان الهجوم مباشرا، في كلا الميدانين الحربى والعقيدى، وكان قويا جدا. ولا شك أنه بالنسبة للمسلمين يبدو أنه الحق والصواب، والأمر الطبيعى المحتوم، أن يمتد الإسلام كما امتد. ولكن الأمر كان مختلفا بالنسبة لشخص الواقع خارج نطاق الإسلام، الذي لم يكن يرى فيه شيئا من ذلك كله، والذي كان التوسع الإسلامى يقع على حسابه. وقد كان هذا التوسع إلى حد كبير على حساب الغرب. فقد فقدت المسيحية دفعة واحدة " أجمل مقاطعات الإمبراطورية الرومانية " لتتسلمها منها القوة الجديدة، وكانت في خطر من ضياع الإمبراطورية بكاملها. وعلى الرغم من أن القسطنطينية لم تقع – تماما – في يد الجيوش العربية كما وقعت مصر وسوريا، فقد استمر الضغط عليه ا فترة طويلة. وفي موجة التوسع الإسلامى الثانية وقعت القسطنطينية بالفعل سنة 1453، وفي قلب أوروبا المفزعة ذاتها أحاط الحصار بفينا سنة 1529 بينما ظل الزحف الذي بدأ عنيدا لا يلين، مستمرا في طريقه. وحدث ذلك مرة أخرى في وقت قريب لم يتطاول عليه العهد في سنة 1683، وإن وقوع تشيكوسلوفاكيا في قبضة الشيوعية عام 1948 لم يكن له قط في العصر الحديث ذلك الفزع في نفوس الغرب المتهيب، كما كان لذلك الزحف المستمر قرنا بعد قرن، من