يقولون بل بحياته كلها وضحى بعروسه في ليلتها الأولى، لتعانقه الحور العين في جنة الفردوس، ووجد أبوخيثمة في جيش العسرة امرأتيه قد أعدتا له طعاماً شهياً وماء بارداً ومجلساً ليناً وظلاً ظليلاً، فصرخ: ما هذا بالنَّصف (أي بالعدل)، رسول الله ص في الحر وأنا هنا؟! جهزاني، وما نزل عن راحلته حتى لحق برسول الله ص.
وأبو ذر الغفاري تقعد به راحلته وتضعف عن مواصلة السير في غزوة العسرة، فيطرح عنها متاعه ويضعه على عاتقه ويقطع طريق الصحراء الحارقة وحده على قدميه، فيلحق برسول الله ص فيمدحه رسول الله قائلاً: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث أمة وحدة".
وتتحقق فيه نبوءة سيدنا رسول الله ص، فيموت بالربذة فلا تجد امرأته من يعينها على تجهيزه، فتضعه بقارعة الطريق، حتى يمر ابن مسعود وجماعة معه فيعرفه ابن مسعود، ويصدق مقالة رسول الله ويجهزه ويدفنه مع إخوانه.
5 ألوان أخرى من التضحية:
لا تقتصر التضحية على لون معين، بل كل ما يقدمه العبد في سبيل الله تضحية. قال تعالى: وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون 60 (الأنفال).
و"ما" في الآية نكرة تفيد العموم، وكذلك كلمة "شيء" لذا كانت التضحية بكل محبوب مرغوب سبباً في تحقيق النصر.
ومن صورها كذلك التضحية بالنوم أو الراحة عموماً، حيث نقل عن صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه أنه ما شبع من النوم ليالي المعارك كلها وما شبع من الطعام، وكان مريضاً وكان قوله دائماً آنذاك في حرقة وأسى "وا إسلاماه وا إسلاماه"، كما روي عنه أنه ترك التبسم حزناً على المقدسات حتى تحررت.
وعَلْية بن زيد واحد من أصحاب رسول الله ص الذين لم يجد رسول الله ما يحملهم عليه هجر منامه وقام ليلة يصلي وتصدق على كل مسلم ظلمه بالعفو عنه، فلما أصبح قال ص: يا علية، لقد قبل الله صدقتك الليلة في الصدقات.
وطلب القائد قتيبة بن مسلم من أحد قواده أن ينظر مَن في المسجد قبل أن يغادر المدينة للمعركة، فجاءه قائلاً: ليس إلا رجل واحد هو محمد بن واسع رافعاً أصبعه إلى السماء يسأل الله النصر للمسلمين، قال قتيبة: "لأصبع محمد بن واسع عندي خير من ألف فارس".
وفي العصر الحديث هناك من باع سريره ونام على الأرض، ومن باع دراجته التي تحمله إلى عمله وسار على قدميه، ليقدم كل منهما ثمن السرير أو الدراجة لينصر دينه، وغيرهما كثيرون، أخفياء أتقياء يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.
بمثل هذه الجهود الصادقة والدعوات المخلصة والتضحيات المتباينة ينصر الله دينه ويؤيد جنوده. نسأل الله أن يجعلنا منهم وألا يحرمنا بركتهم.
=============
عدو النفاق والمنافقين عبد الله بن عبد الله بن أُبي