تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقًا مَا بَقِيتُ. فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِن المُسْلِمِينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الحَدِيثِ- مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُذْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار [التوبة:711] إِلَى قَوْلِهِ-: وكونوا مع الصادقين [التوبة:911] فوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ- بَعْدَ أَنْ هَدَانِي للإِسْلاَمِ- أَعْظَمَ، فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، فَقَالَ عز وجل: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم [التوبة:59] إِلَى قَوْلِهِ-: فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين [التوبة:69] قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَن الغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ. أ. هـ

وفي هذا الحديث من الفوائد الكثيرة؛ نذكر منها:

الأولى: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وما ترتب على هذا التقصير من هجر ولوم وتأنيب وانعكاس ذلك على نفسه حتى ضاقت عليه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وفي ذكر هذا التفريط والتقصير نصيحة للمسلمين حتى يقبح لهم المعصية والمخالفة، ليتأسوا بذلك فيهجروا المعاصي ويتركوا الذنوب لما يترتب عليها من آثار سيئة وعاقبة وخيمة، فالعاقل من اعتبر بغيره، ثم إن كعبًا رضي الله عنه حين يعطي خلاصة هذه التجربة إنما يريد أن ينصح بها، ليتجنب من يبلغه الحديث أسباب ما وقع فيه، وفيه الحض على الإسراع بفعل الخير وعدم التكاسل عنه.

الثانية: جواز إخبار الرجل عن جوانب الخير في نفسه إن لم يكن فخرًا أو كبرًا والتحدث بنعمة الله تعالى التي مَنَّ بها على العبد، فلقد أكرم الله تعالى هؤلاء الثلاثة ودعا المؤمنين إلى أن يكونوا معهم، فإخبار كعب عن هذه التوبة وإتمام نعمة الله عليهم فرحةً وتحدثًا بنعمة الله، كل هذا جائز، فالله تعالى يقول: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وإن كانت تزكية النفس منهيًا عنها فإنها في هذا الموطن جائزة كما تجوز حين يريد الرجل أن يلفت النظر إلى نعم الله التي أنعم بها عليه، فلقد قال الله تعالى عن يوسف: قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف: 55].

الثالثة: جواز تعزير المتخلف عن الجهاد مع ولي أمر المسلمين حتى يشعر بألم المخالفة وينبغي لولي الأمر أن يذكره ويعنفه ويوبخه .. إلى غير ذلك من أنواع التعزير، حتى يأخذ بيده إلى الله تعالى، لأن إهمال المسلمين المقصرين وعدم السؤال

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٨٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٨٧٩