لقد قاده القرآن للخير كل الخير .. فعن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابًّا جميلا سمحًا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه.
وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى، قال: قلت لجليس لي من هذا؟ قالوا هذا معاذ بن جبل.
وعن ثور بن يزيد قال: كان معاذ بن جبل إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
وفي الخاتمة كان الوسام الذي وشحه به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له: "والله إني لأحبك".
الفتى المعلم
وأما ابن مسعود فهو الغلام المعلم كما قال له النبي صلى الله عليه وسلم فاسمع إلي الغلام يقول: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وقد فرا من المشركين فقالا: يا غلام هل عندك من لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست ساقيكما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل؟ قلت: نعم فأتيتهما بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح الضرع ودعا فحفل الضرع ثم أتاه أبو بكر رضي الله عنه بصخرة منقعرة فاحتلب فيها فشرب وشرب أبو بكر ثم شربت ثم قال للضرع: اقلص فقلص فأتيته بعد ذلك فقلت: علمني من هذا القول قال: إنك غلام معلم قال: فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد " [رواه أحمد وهو صحيح].
علاقته بالقرآن وطيدة ومنزلته به عند النبي صلى الله عليه وسلم رفيعة وهو الذي استقرأه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كما في الصحيحين أن النبي قال له: "اقرأ علي. قال: قلت: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾. قال لي: كف، أو أمسك. فرأيت عينيه تذرفان.
إنها شهادة تدل على حسن القراءة مع الإتقان مع جمال الصوت وخشوع القلب وإلا فلماذا اختاره هو دون غيره ليسمع منه، وهذه الشهادة أكدتها شهادة أخرى وزينها قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ رَطْباً كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ). وهو سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه.
وهو الذي قال عن نفسه: مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ وَأَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ نَزَلَتْ، وَفِيْمَا نَزَلَتْ.
وأقر له بالفضل سادة الصحابة: فعن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب. ففزع عمر، فقال: ويحك انظر ما تقول. وغضب، فقال: ما جئتك إلا بالحق. قال: من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود. فقال: ما أعلم أحدا أحق بذلك منه، وسأحدثك عن عبد الله: إنا سمرنا ليلة في بيت أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم خرجنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا