وفود أهل اليمن، والأزد وبني سعد هذيم من قضاعة، وبني عامر بن قيس، بني أسد، وبهراء، وخولان ومحارب، وبني الحارث، كعب، وغامد بني المنتفق، وسلامان، وبني عبس، ومزينة، ومراد، وزبيد، وكندة، وذي مرة، وغسان، وبني عيش، ونخع - وهو آخر الوفود، توافد في منتصف محرم سنة 11هـ في مائتي رجل - وكانت وفادة الأغلبيةمن هذه الوفود سنة 11 و10هـ وقد تأخرت وفادة بعضها إلى سنة 11هـ. وتتابع هذه الوفود يدل على مدى ما نالت الدعوة الإسلامية من القبول التام وبسط السيطرة والنفوذ على أنحاء جزيرة العرب وأرجائها، وأن العرب كانت تنظر إلى المدينة بنظر التقدير والإجلال، حتى لم تكن ترى محيصاً عن الاستسلام أمامها، فقد صارت المدينة عاصمة لجزيرة العرب، لا يمكن صرف النظر عنها. إلا أننا لا يمكن لنا القول بأن الدين قد تمكن من أنفس هؤلاء بأسرهم، لأنه كان وسطهم كثيراً من الأعراب الجفاة الذين أسلموا تبعاً لسادتهم، ولم تكن أنفسهم قد خلصت بعد مما تأصل فيها من الميل إلى الغارات، ولم تكن تعاليم الإسلام قد هذبت أنفسهم تمام التهذيب، وقد وصل القرآن بعضهم بقوله في سورة التوبة: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 97 - 98] وأثنى على آخرين منهم فقال: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 99]. أما الحاضرون منهم في مكة والمدينة وثقيف، وكثير من اليمن والبحرين فقد كان الإسلام فيهم قوياً، ومنهم كبار الصحابة وسادات المسلمين. نجاح الدعوة وأثرها وقبل أن نتقدم خطوة أخرى إلى مطالعة أواخر أيام حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي لنا أن نلقي نظرة إجمالية على العمل الجليل الذي هو فذلكة حياته، والذي امتاز به عن سائر الأنبياء والمرسلين حتى توج اللَّه هامته بسيادة الأولين والآخرين. إنه صلى الله عليه وسلم قيل له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 1 - 2] و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 1 - 2]، فقام، وظل قائماً أكثر من عشرين عاماً يحمل على عاتقه عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها؛ وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى. حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهان الشهوات وأغلالها، حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية، بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها، بل معارك متلاصقة مع أعداء اللَّه وعزة المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة، وفروعها في الفضاء، وتظل مساحات أخرى. ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعد لهذه الأمة الجديدة، وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية. وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى - معركة الضمير - قد انتهت. فهي معركة خالدة، الشيطان صاحبها، وهو لا يتوانى لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني. ومحمد صلى الله عليه وسلم قائم على دعوة اللَّه
موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٧٩٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٧٩٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي