كثيراً، حتى أضاءت وجوه الذاكرين، فهي ناضرة بذكر الله، متعلقة بالفراديس العلى، وتتصل الأنوار من قبور شهدائها، بالسماء، ويفوح المسك من دم الشهداء، ويعظم الاحتمال والصبر، عند جرحى العلميات، ويكثر الذكر والتسبيح، من الممسكين بالزناد، في خط النار، وكلهم يتسابقون حول غايتهم في صدق ووفاء:
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) (الأحزاب:23).
وأهل الذكر يجتهدون، حتى تنشرح صدورهم، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب. الذين ءامنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) (الرعد:28 - 29).
وأهل الذكر، في جهاد متصل الحلقات، في صلاة، وركوع، وسجود، وفعل الخير، وعبادة لله، وطاعة مع جهاد للعدو، وامتثال لجميع ما أمر الله به، وانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، وجهاد في الطاعة، ورد النفس عن الهوى، وجهاد في رد وساوس الشيطان، ومدافعة لأهل الظلم والكفر (49).
وذلك كله امتثالاً لأمر الله جل جلاله: (يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) (الحج: 77 - 78). وقد يبلغون درجة الحبور، بذكر الله، حتى يعبر بعضهم عن هذه الحالة، فيقول: (إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لايدخدل جنة الآخرة) (50). وإنها لمجاهدة متصلة، وتزكية للنفس، لبلوغ درجة الإحسان في العبادة: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك) (51). وصدق الله العظيم، القائل في محكم تنزيله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت:69).
==============
ذو النور الطفيل بن عمرو
إنه الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه- كان شاعرًا لبيبًا، كثير الترحال والسفر، وكان لمكة من ترحاله نصيب، وقد قدمها مرة بعدما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم:، فحذره أهل مكة من أن يسمع له أو يجالسه.
ففكر الطفيل ألا يدخل المسجد البتة، ولكنه دخل وقد وضع في أذنه قطنًا، حتى لا يسمع ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم حدَّث نفسه أن يسمع، فإن كان ما يقوله خيرًا أخذه عنه، وإن كان شرًّا لم ينصت إليه.
وقف الطفيل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، فإذا به يسمع كلامًا ليس كسائر الكلام، إنه شيء معجز، لا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله، ولا يملك من يسمعه بعقل سليم إلا أن يؤمن به.
فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قد أبى الله إلا أن يسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق، فاعرض عليَّ دينك، وما تأمر به وما تنهى عنه. فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فقبله وحسن إسلامه.