وصلبوهما بمكة، بالتنعيم. ولما خرجوا به من الحرم، ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، وقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي من جزع، لزدت: (اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً).
وقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلوٍ ممزع
وكان خبيب، هو الذي سن هذه الصلاة لكل مسلم، ويستبشر بلقاء الله عز وجل، فيصلى بين يدي تقديمه للقتل، رحمه الله، وأحسن لقاءه (42).
نماذج من مجاهدي التابعين لهم بإحسان
1 - صله بن أشيم العدوي .. شهيد من أهل الذكر والذاكرين:
وهذا نموذج لرجل من التابعين، وهو صلة بن أشيم العدوي، من كبار التابعين، من أهل البصرة، وكان ذا فضل وورع، وعبادة، وزهد، كان يصلي ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبواً، وله مناقب كثيرة جداً. وكان يكثر من صلاة الليل في الغزوات، التي يشارك فيها، مقاتلاً مع الجيش، وقال رجل لصله: ادع الله لي .. فقال: (رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ورزقك اليقين، الذي لا يرجى إلا إليه، ولا يعَّول في الدين إلا عليه).
وكان صله في غزاة، ومعه ابنه، فقال: أي بني، تقدم فقاتل، أحتسبك .. فحمل فقاتل حتى قتل، ثم قاتل صله، حتى قتل.
واجتمع النساء عند امرأته، معاذة العدوية، فقالت: إن كنتن لتهنيئنني، فمرحباً بكُن، وإن جئتن لتعزينني، فارجعن (43).
2 - عبدالله بن المبارك .. فقيه محدث، من أهل الذكر والجهاد:
وهذا عبدالله بن المبارك، أحد أئمة المسلمين، أدرك جماعة من التابعين، وروى عن كبار الأئمة، رجل جمع الله له بين العلم الغزير، والعمل الوفير، والإحسان الجزيل، والجهاد المتصل، فكلما سمع صيحة، لبى النداء، وهو مع ذلك كثير النفع لعباد الله، بعلمه، وماله، ويعتني في ذلك بأهل العلم، ورفقة الحج، ويجتهد في إدخال السرور على المسلمين.
وابن المبارك، كثير الخشية، والمراقبة لله عزوجل، فإذا أدرك محل استجابة الدعاء، سأل الله أن ينجيه من ظمأ يوم القيامة .. وفي هذا المعنى، يقول سويد بن سعيد:
رأيت عبدالله بن المبارك بمكة، أتى زمزم، فاستقى منها، ثم استقبل الكعبة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي، حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) (44)، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه.
ثم إن أطيب الناس عيشاً، وأسعدهم حالاً، من كان عارفاً بالله، وفي ذلك يقول ابن المبارك: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا، قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها. قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله عزوجل.