تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كاهل المصريين من قبل , تحت مسميات شتى , ولم يُبق منها إلا ما له سند شرعي كالجزية والخراج وعشور التجارة. وثالث تلك المآثر عدله بين رعيته , حيث وصفه من عايشه من العلماء بأنه كان عادلا رءوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي , وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام , يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء , ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل واحد من كبير وصغير وعجوز وهرم وشيخ كبير , وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا.

كما كان في جميع زمانه قابلا لما يعرض عليه من الشكاوي, كاشفا لما ينهى إليه من المظالم , وكان يجمع القصص (الشكاوى) في كل يوم , ثم يجلس مع الكاتب ساعة , إما في الليل أو في النهار , ويوقع على كل قصة بما يطلق الله على قلبه , وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع ظلامته , وأخذ قصته , وكشف كربته , كما قال القاضي ابن شداد.

ورابع تلك المآثر عطفه وشفقته على اليتامى , فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على من خلّفه , وجبر قلبه , وأعطاه راتبه إن كان له من أهله كبير يعتمد عليه وسلمه إليه , وإلا أبقى له من الراتب ما يكفي حاجته , وسلمه إلى من يكفله , ويعتني بتربيته.

وخامس تلك المآثر كرمه وإجلاله للعلم والعلماء , فقد قال قاضيه: إنه كان يكرم من يرد عليه من المشايخ , وأرباب العلم والفضل , وذوي الأقدار, وكان يوصينا لئلا نغفل عمن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى نحضرهم عنده , وينالهم من إحسانه , وقد جعل في قصره مكانا لبيع الكتب , يفتح يومين من كل أسبوع , وتباع الكتب فيه بأرخص الأثمان.

كما كان مجلا لحفظة القرآن الكريم , وقد مر يوما على صبي صغير بين يدي أبيه , وهو يقرأ القرآن , فاستحسن قراءته , فأوقف عليه وعلى أبيه مزرعة.

وسادس تلك المآثر محافظته على الصلوات الخمس في أوائل أوقاتها حتى قال عنه ابن شداد: فما رأيته صلى إلا في جماعة , ولم يؤخر له صلاة من ساعة إلى ساعة , وكان له إمام راتب ملازم مواظب , فإن غاب يوما صلى به من حضره من أهل العلم , إذا عرفه متقيا متجنبا للإثم.

وكان يواظب على السنن الرواتب , وكان له ركعات يصليها إن استيقظ بوقت من الليل , وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح , وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه , وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى.

وسابع تلك المآثر ورعه وعفته وتواضعه , فكان لا يلبس إلا ما يحل لبسه , وتطيب به نفسه كالكتان والقطن والصوف , كما كانت مجالسه مصونة من الحظر , ومنزهة من الهزء والهزل , آهلة بأهل الفضل , وما سُمعت له قط كلمة تسقط , ولا لفظة فظة تسخط , وكان من جالسه لا يعلم أنه جليس السلطان , بل يعتقد أنه جليس أخ من الإخوان , وكان حليما مقيلا للعثرات , متجاوزا عن الهفوات تقيا نقيا وفيا صفيا.

يقول أحد المرافقين له: ولقد كان يسمع من المستغيثين إليه والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع , ويلقى ذلك بالبشر والقبول0

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٧٧