وقد كتب في سيرة صلاح الدين كثير من المؤرخين القدماء والمحدثين مثل: (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية) لابن شداد، و (الناصر صلاح الدين) لسعيد عبد الفتاح عاشور
-------------
من مآثر صلاح الدين الأيوبي
اشتهر صلاح الدين بين المسلمين بكفاحه وجهاده , وبين الأوربيين بسماحته وعدله , ورغم ذلك لم تقتصر مآثره ـ رحمه الله ـ على جهاده الذي انتهى بتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين ـ وإن كان هذا شرفا لا يدانيه فيه كثير من العظماء ـ ولا على سماحته التي قلما تخلق بها أحد بعد الأنبياء , وإنما تعددت تلك المآثر , وكثرت كثرة تدعونا لتقديره والثناء عليه.
ونحن لو نظرنا في جهوده في رعاية المسلمين , وإصلاح شئون الدولة الإسلامية لوجدناها لا تقل عظمة عما قام به من جهاد في تحرير كثير من البلاد الإسلامية ولم شعثها , ولا عجب في ذلك , فالقائد العظيم قلما ينجح في الخارج قبل نجاحه في الداخل.
وهذه سطور نبرز فيها من جهوده ومآثره ما عساه أن ينفع العاملين لدين الله , وغيرهم من المسلمين ممن يبتغون الاقتداء بهذا الرجل الذي تبحث أمتنا الآن عن شبيهه؛ ليعيد إليها بعضا من عزتها المسلوبة , وكرامتها المفقودة.
وأول هذه المآثر التي تحمد له ـ رحمه الله ـ على مر التاريخ ما أسداه إلى المسلمين المهاجرين من بلاد المغرب والأندلس تحت ضغط التعذيب والقتل والإبادة على يد الإسبان , إذ شمل هؤلاء بعطفه وحنانه وشفقته.
واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى إنه أمر بأن يوفر لهم كل ما يحتاجون إليه؛ لينسيهم هول ما تعرضوا له من محن , وأنشأ حمامات لهم في الأماكن التي ينزلون بها , يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك , وبنى لهم مارستانا لعلاج من يمرض منهم , ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم, وجعل تحت أيديهم خداما , يأمرونهم بالنظر في مصالحهم , وما يحتاجونه من علاج وغذاء , كما وظف الأطباء لزيارة المرضى الذين يستحيون من الذهاب إلى المارستان المجاني , وجعل لمن يمر ببلاده من أبناء السبيل وجبات غذائية في كل يوم.
وأكثر هذه النفقات كانت من ماله الخاص , إذ كان رحمه الله شديد الحرص على الإنفاق في سبيل الله , حتى روي أن صدقة النفل قد استنفذت جميع ما ملكه من الأموال , وأنه مات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما , وجراما واحدا ذهبا , ولم يخلف دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة.
وهذا العمل النبيل منه لعل في ذكره تذكرة لأهالي البلاد الإسلامية التي عافاها الله من الوقوع تحت نيران الاحتلال؛ ليقوموا بواجبهم تجاه إخوانهم الذين حوصروا في ديارهم أو أخرجوا منها دون ملجأ أو ملاذ.
وثاني هذه المآثر قضاؤه على كثير من الأنظمة والتقاليد الفاسدة والبدع التي عمت مصر أيام الحكم الفاطمي , ومن بينها الضرائب الباهظة غير الشرعية التي أثقلت