وأنس بن النضر في ساحة المعركة تجتاح صدره حربة فيبصر الجنة ويشم رائحتها ويدندن: فزت ورب الكعبة .. وكأنما جاءت الحربة شافية لصدره ومحققة لغايته وأمنيته.
وفي حفرة يقع الحبيب الكريم عليه صلوات ربي وسلامه فيأتي أحد النماذج التربوية المدربة .. إنه صاحب عصابة الموت أبو دجانة سماك بن خرشنة فيتترس رسول الهدى ليصبح ظهره درعاً للحبيب فيكون كالقنفذ من كثرة السهام المصوبة على ظهره. وعلى أسنة الرماح يطير البراء بن مالك إلى ساحة الأعداء حتى يتوسطهم ويلاعبهم بسيفه ليصل إلى باب الحصن ويغير اسمه من حصن إلى حديقة .. حديقة تؤهله لدخول جنة عرضها السماوات والأرض هنا مكمن السر. إن الممحص لهذه المشاهد الفدائية والمحلل لهذه النماذج الاستشهادية ليجد أن تكرر هذه الصور ما كان إلا بدافع جعل هذه الشخصيات تحمل أرواحها على أيديها ومن ثم تردد:
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى
وما كان هذا الدافع إلا منطلقاً من عقيدة صافية ورؤية واضحة ونفوس عامرة بالإيمان بالله واليوم الآخر، وليس هذا فحسب بل هي تربية جادة ومتابعة دعوية مستمرة أخرجت مثل هذا الرعيل الفذ والجيل الناضج الذي فهم أن الحياة عقيدة وجهاد، وأنها لا تحلو إلا بالعزة أو الاستشهاد، إنه الجيل الذي أدرك غاية الإدراك أن المسلم لا تستهويه الدنايا ولا تستوعبه المغريات .. إذن نحن في هذه الفترة نعيش أزمة تربوية ونحتاج لتخريج جيل في مدارس التربية النبوية ذات العقيدة الصافية .. والهمة العالية. . والفهم الواعي .. والحماس المتزن .. والثقافة الواسعة .. والعلم الراسخ .. والقائد القدوة .. والصدق والصبر، فإذا اكتمل هذا العقد في صياغته وتكامله خرج حينها جيل لا يهاب الصعاب ولا يخشى المنايا.
رائد محمد جعفر الغامدي
الطائف
=============
جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار
جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار (1)
ما كنت أظن يوماً أني سأمسك القلم لأدافع عن رجال أطهار عظماء، هم من أشرف رجال هذه الأمة وأعظمهم، ولهم في الجهاد قدم صدق، رفعوا رأس الأمة عالياً في زمان ألفت الأمة فيه تنكيس الرؤوس وتوالي النكبات، ولم نعد نسمع من الأخبار السارة إلا أخبارهم، ولا نفرح إلا ببطولاتهم، ولا نفخر إلا بأعمالهم، وعاش جنرالات اليهود إلى اليوم الذي صاروا يسمعون فيه ويرون من يذيقهم سوء العذاب، ويحطم آمالهم في بقاء دولتهم المسخ، وينقض نظرية أمنهم المطلق وجيشهم الذي لا يقهر.
والعجب العجاب أن هؤلاء الأطهارَ المجاهدين الذين قلب الله تعالى بهم الأوضاع يتعرضون اليوم للوم بل التأثيم والإنكار بدعوى أن صنيعهم يخالف الشرع المطهر، ويضاد مدلول الأدلة الشريفة، فأين يُذهب بهذه الأمة؟ وكيف يكون هذا؟! وقد اطلعت على فتاوى المنكرين فوجدتها مبنية على أدلة عامة لا تدل في الحقيقة على ما ذهبوا