فالرسول صلى الله عليه وسلم كان راكباً وكان معاذ رديفه قال: ﴿فمشينا برهة -أي ردفة من الزمن- فقال عليه الصلاة والسلام يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم! وفي لفظ للبخاري قال: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! ثم مشى قليلاً وسكت هنيهةً، ثم قال: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ - وفي لفظ: حق الله على العبيد- قال: الله ورسوله أعلم -وهذا من كمال أدبه وعدم تطفله، ومن توقيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم- قال عليه الصلاة والسلام: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى قليلاً وقال: أتدري -يا معاذ - ما حق العباد على الله؟! قال: الله ورسوله أعلم! قال: حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم﴾ هذا الحديث رواه معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وروى الكثير في الفضائل والعقائد والعبادات. معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك
وفي تبوك كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة، وفي أثناء الطريق قال معاذ: اقتربت من راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسسته، وكان الصحابة يستأنسون أيما أنس بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما آتاه الله من حسن الخلق والبركة والهداية والنور، وكان من سعة حلمه وتواضعه وخلقه أنه إذا صاحب الرجل من الصحابة في السفر حدثه كثيراً حتى في الليل.
ففي تلك الليلة قال معاذ: اقتربت منه صلى الله عليه وسلم فوجدت أبا قتادة من الأنصار قريباً منه، وكان في آخر الليل، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعس على راحلته -لأنه سهر في الليل في تلك الليلة- وكاد أن يسقط من على الراحلة وتكاد تسقط به.
قال أبو قتادة كما في صحيح مسلم: ﴿فاقتربت منه ودعمته بيدي -أي: أسندته بيدي- حتى رددته إلى مكانه، قال: ثم نعس الثانية، فرددته، ثم نعس الثالثة حتى كاد يسقط، فانتبه عليه الصلاة والسلام، قال: من؟ قلت: أبو قتادة، قال: حفظك الله بما حفظت نبيه عليه الصلاة والسلام﴾ قال أهل العلم: ما زال أبو قتادة محفوظاً في أسرته وذريته حتى في القرن الثاني؛ لأنه تكلم بهذا الكلام، حتى عندما أتت الفتن لم يتدخل فيها، ولم يشترك في مشكلات الأمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له بالحفظ، قال: ﴿حفظك الله بما حفظت نبيه﴾ والحفظ أعظم ما يمن به الله على عبده.
يقول ابن المسيب رضي الله عنه: [[إن الله يحفظ العبد المؤمن في أهله وأولاده ودويريته]] أي: حتى في الدور التي تقاربه في قريته.
ففي تلك الليلة العامرة التي لا ينساها معاذ رضي الله عنه وأرضاه تقدم ليستغل الوقت في سمر من أحسن السمر مع سيد البشر عليه الصلاة والسلام -هل يتحدث معه في الدور أو القصور أو الوظائف أو يطلبه منصباً؟ وهو عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يعطيه ذلك؛ فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أعطاه من الولايات ما الله بها عليم- فقال: يا رسول الله! ما هو العمل الذي يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟!
هذا أعظم سؤال قد وقع بعد سؤال العقائد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ﴿إنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ وفي لفظ الترمذي: ﴿يا معاذ! لقد سألت عن عظيم﴾.