تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألسنتهم). ياله من حوار كريم! يا لها من مدرسة! ويا لهم من تلاميذ! أسمعت -أيها الحبيب- إلى هذا الحوار المبارك الذي علمنا الكثير والكثير؟! ولو توقفنا عند كلماته لاحتجنا بلا مبالغة إلى عشر جمع، بل والله إلى أكثر، حوار بين أستاذ وتلميذ، بين أستاذ الإنسانية ومعلم البشرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وبين تلميذ شرب من هذا النبع الصافي الكريم، ودار في فلك شمس النبوة المشرقة التي لا تغيب إلى يوم القيامة. معاذ بن جبل وقيامه بواجب الدعوة والجهاد

لما جاءت رسل ملوك اليمن في أوائل العام العاشر، بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وطلبوا من رسول الله أن يرسل معهم من يعلمهم دينهم، ومن يفقههم في إسلامهم، وهنا وقعت عين النبي صلى الله عليه وسلم على الداعية العظيم، على القارئ القانت، والمحب الثابت، على الفقيه العلم، على الشاب ابن العشرين أو ابن الثلاثين، على معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، يرسله النبي صلى الله عليه وسلم أميراً للدعاة في اليمن ليدعو إلى الله جل وعلا. ......

معاذ بن جبل والدعوة إلى الله

يخرج النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه مع معاذ بن جبل، ويمشي النبي صلى الله عليه وسلم بجانب راحلته، و معاذ راكب ويوصيه ويبذل له الوصايا التي تتناثر من فيه كحبات اللؤلؤ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ليرسم له الطريق، ويحدد له المنهج للدعوة الصحيحة التي ينبغي أن يسير على منوالها كل داعية صدوق، والحديث رواه البخاري و مسلم وغيرهما فيقول له: (يا معاذ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله جل وعلا قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). ويمضي البطل، ويمضي الفقيه الشاب بهذه الوصايا الغالية في قلبه وفؤاده وعقله وبين جوانحه ليسير عليها ولا يحيد عنها قيد أنملة، لأنها وصايا وتعاليم أستاذه ومعلمه صلى الله عليه وسلم، ويودع النبي صلى الله عليه وسلم وداعاً مؤثراً لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مشى طويلاً مع معاذ وكأني والله أحس أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يملأ عينه من معاذ، فطال النبي صلى الله عليه وسلم في مشيه مع معاذ، وأخيراً نظر إليه وقال: (يا معاذ! عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري) وانفجرت الدمعات وانحدرت على وجنتي معاذ كحبات لؤلؤ، بكى رضي الله عنه، يخبره أستاذه وحبيبه بأنه قد لا تكتحل عينه بعد اليوم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبكي معاذ بل ويبكي بكاءً طويلاً، ويأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكف عن البكاء، وإيه والله بأبي هو وأمي، انطلق معاذ بن جبل وما عاد إلى المدينة إلا بعد أن مات الحبيب صلى الله عليه وسلم: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3 - 4].

معاذ بن جبل والجهاد في سبيل الله

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٥٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٥٢٦