هكذا أعز الله حمزة بالإسلام، وأعز الإسلام به، فكان نصرًا جديدًا وتأييدًا لدين الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وما إن سمع المشركون بإسلام حمزة حتى تأكدوا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صار في عزة ومنعة، فكفوا عن إيذائه، وبدءوا يسلكون معه سياسة أخرى، وهي سياسة المفاوضات، فجاء عتبة بن ربيعة يساوم النبي صلى الله عليه وسلم ويعرض عليه ما يشاء من أموال أو مجد أو سيادة.
واستمر حمزة -رضي الله عنه- في جهاده ودفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة المنورة، فهاجر حمزة، وهناك آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة، وشهد حمزة غزوة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بداية المعركة هجم أحد المشركين ويدعى الأسود بن عبد الأسود على بئر للمسلمين وقال: أعاهد الله لأشربنَّ من حوضهم أو لأهدمنَّه أو لأمُوتَنَّ دُونَهُ، فتصدى له حمزة فضربه ضربة في ساقه، فأخذ الأسود يزحف نحو البئر فتبعه حمزة وقتله.
وبعدها برز ثلاثة من المشركين وهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فخرج إليهم فتية من الأنصار، فنادوا: يا محمد .. أَخْرِج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي، فبارز عبيدة عتبة، وبارز علي الوليد، وبارز حمزة شيبة، ولم يمهل حمزة شيبة حتى قتله، وكذلك فعل عليٌّ مع خصمه الوليد، أما عبيدة وعتبة فقد جرح كل منهما الآخر، فأسرع حمزة وعلي بسيفيهما على عتبة فقتلاه.
وكان حمزة في ذلك اليوم قد وضع ريشة على رأسه، فظل يقاتل بشجاعة حتى قتل عددًا كبيرًا من المشركين، ولما انتهت المعركة، كان أمية بن خلف ضمن أسرى المشركين، فسأل: من الذي كان معلَّمًا بريشة؟ فقالوا: إنه حمزة، فقال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل. ولقد أبلى حمزة في هذه المعركة بلاء حسنًا، لذلك سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسد الله، وأسد رسوله.
وأقسمت هند بنت عتبة أن تنتقم من حمزة؛ لأنه قتل أباها عتبة وعمها وأخاها في بدر، وكذلك أراد جبير بن مطعم أن ينتقم من حمزة لقتل عمه طعيمة بن عدى، فقال لعبده وحشي، وكان يجيد رمي الرمح: إن قتلت حمزة فأنت حر.
وجاءت غزوة أحد وأبلى حمزة -رضي الله عنه- بلاءً شديدًا، وكان يقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين ويقول: أنا أسد الله. فلما تراجع المسلمون اندفع حمزة نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، واختبأ وحشي لحمزة، وضربه ضربة شديدة برمحه فأصابته في مقتل، واستشهد البطل الشجاع حمزة -رضي الله عنه-.
ورآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء المعركة بين الشهداء قد مثل به، فقطعت أنفه وأذنه وشقت بطنه، فحزن عليه (حزنًا شديدًا، وقال: (لولا أن تجد (تحزن) صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية (دواب الأرض والطير) حتى يحشر من بطونها إكرامًا له وتعظيمًا) [أبو داود]. وقال صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة) [الحاكم]. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة وشهداء أُحد السبعين.
===============