وصار زيد لا يُعْرف في مكة كلها إلا بزيد بن محمد، فلما جاء الإسلام أسلم زيد، وكان ثاني المسلمين، وأحبه الرسول صلى الله عليه وسلم حبًّا عظيمًا.
ولما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة هاجر زيد إلى المدينة، وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين أسيد بن حضير، وظل زيد يدعى زيد ابن محمد حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ _[الأحزاب: 5]، فسمى زيد بن حارثة، وزوجه الرسول صلى الله عليه وسلم مولاته أم أيمن، فأنجبت له أسامة بن زيد، ثم زوجه (ابنة عمته زينب بنت جحش، ولكن لم تطب الحياة بينهما، فذهب زيد إلى الرسول
(يشكوها، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه، ويصبر عليها.
ولكن الله سبحانه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلق زينب من زيد، ويتزوجها هو، وذلك لإبطال عادة التبني التي كانت منتشرة في الجاهلية، وكان الابن بالتبني يعامل معاملة الابن الصلب، قال تعالى: ﴿إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ما مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون علي المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ما قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً﴾ [الأحزاب: 73].
ويكفي زيد فخرًا أن شرفه الله تعالى بذكر اسمه في القرآن الكريم، وقد زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم من أم كلثوم بنت عقبة، وكان زيد فدائيًّا شجاعًا، ومن أحسن الرماة، واشترك في غزوة بدر، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الموت في أحد، وحضر الخندق، وصلح الحديبية، وفتح خيبر، وغزوة حنين، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على سبع سرايا، منها: الجموع والطرف والعيص وحِسْمى، وغيرها، وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله عنه-: ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قط، إلا أمره عليهم. [النسائي وأحمد].
وعندما أخذ الروم يغيرون على حدود الدولة الإسلامية، واتخذوا من الشام نقطة انطلاق لهم؛ سيَّر الرسول صلى الله عليه وسلم جيشًا إلى أرض البلقاء بالشام، ووقف (يُوَدِّعُ جيشه بعد أن أمر عليهم زيد بن حارثة، قائلاً: (إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة) _[ابن اسحاق].
وسار الجيش حتى نزل بجوار بلدة تسمى مؤتة، وتقابل جيش المسلمين مع جيش الروم الذي كان عدده يزيد على مائتي ألف مقاتل، ودارت الحرب، واندفع زيد في صفوف الأعداء، لا يبالي بعددهم ولا بعدتهم، ضاربًا بسيفه يمينًا ويسارًا، حاملا الراية بيده الأخرى، فلما رأى الأعداء شجاعته طعنوه من الخلف، فظل زيد حاملاً الراية حتى استشهد، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (استغفروا لأخيكم، قد دخل الجنة وهو يسعى) [ابن سعد].
================
أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير
إنه الصحابي الكريم مصعب بن عمير -رضي الله عنه- أو مصعب الخير، كان في صغره وقبل إسلامه شابًا جميلا مدللاً منعمًا، يلبس من الثياب أغلاها، يعرفه أهل