رَأَيْتُ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ حِيْنَ رَمَى طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ فِي رُكْبَتِهِ، فَمَا زَالَ يَنْسَحُّ حَتَّى مَاتَ. ((قلت: الصواب أن الذي قتله هم قتلة عثمان الذين كانوا في جيش علي رضي الله عنه وذلك باعترافهم))
رَأَى عَلِيٌّ طَلْحَةَ فِي وَادٍ مُلْقَى، فَنَزَلَ، فَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: عَزِيْزٌ عَلَيَّ أَبَا مُحَمَّدٍ بِأَنْ أَرَاكَ مُجَدَّلاً فِي الأَوْدِيَةِ تَحْتَ نُجُومِ السَّمَاءِ، إِلَى اللهِ أَشْكُو عُجَرِي وَبُجَرِي.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: مَعْنَاهُ: سَرَائِرِي وَأَحْزَانِي الَّتِي تَمُوجُ فِي جَوْفِي.
==============
حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد بن حارثة
إنه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وكان يسمى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن محمد، وكانت أمه سعدى بنت ثعلبة قد أخذته معها، وهو ابن ثمان سنوات، لزيارة أهلها في بني مَعْن، ومكثت سُعدى في قومها ما شاء الله لها أن تمكث، وفوجئ أهل معن بإحدى القبائل المعادية تهجم عليهم، وتنزل الهزيمة بهم، وتأخذ من بين الأسرى زيدًا.
وعادت الأم إلى زوجها وحيدة، فلم يكد يعرف حارثة الخبر حتى سقط مغشيًا عليه، وحمل عصاه فوق ظهره، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، يسأل القبائل والقوافل عن ابنه وقرة عينه، حتى جاء موسم الحج والتجارة، فالتقى رجال من قبيلة حارثة بزيد في مكة، ونقلوا له لوعة أبويه، فقص عليهم زيد حكايته، وكيف هاجم بنو القَيْن قبيلة أمه واختطفوه، ثم باعوه في سوق عكاظ لرجل من قريش اسمه حكيم بن حزام بن خويلد، فأعطاه لعمته خديجة بنت خويلد التي وهبته لزوجها محمد بن عبد الله، فقبله وأعتقه، ثم قال زيد للحجاج من قومه: أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد.
فلما عاد القوم أخبروا أباه، ولم يكد حارثة يعلم مكان ابنه حتى خرج هو وأخوه إلى مكة فسألا عن محمد بن عبد الله، فقيل لهما: إنه في الكعبة -وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد- فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، فترك النبي صلى الله عليه وسلم لزيد حرية الاختيار، فقال لهما: (ادعوا زيدًا، خيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء).
ففرح حارثة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد أنصفتنا، وزدتنا، وأحسنت إلينا، فلما جاء زيد سأله النبي صلى الله عليه وسلم (أتعرف هؤلاء؟) قال زيد: نعم: هذا أبي، وهذا عمي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لزيد: (فأنا مَنْ قد علمت ورأيت، صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما)، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فدهش أبوه وعمه وقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! فقال زيد: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا.
فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فرح فرحًا شديدًا، ودمعت عيناه، وأخذ زيدًا وخرج إلى حجر الكعبة حيث قريش مجتمعة، ونادى: (يا من حضر، اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه) [ابن حجر]. فلما رأى أبوه وعمه ذلك طابت نفساهما.