مكة، وفي يد كل واحد منهم سيف صارم حاد، وقفوا أمام باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه لصلاة الفجر، ليضربوه ضربة رجل واحد، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتلك المؤامرة، وأمره بالخروج من بينهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعمى الله أبصار المشركين، فألقى النبي صلى الله عليه وسلم التراب على رؤوسهم وهو يقرأ قول الله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). [يس: 9].
ولما طلعت الشمس؛ استيقظ المشركون، وهجموا على البيت، ورفعوا سيوفهم، ليضربوا النائم، فإذا بهم لا يجدونه رسول الله، وإنما هو ابن عمه علي بن أبي طالب، الذي هب واقفًا في جرأة ساخرًا من المشركين، ومحقرًا لشأنهم.
وظل عليٌّ في مكة ثلاثة أيام بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لكي يرد الودائع، كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم:، ولما هاجر وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين والأنصار، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" [ابن عبد البر].
وقد بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكان أحد العشرة المبشرين بها، وقد زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنته فاطمة -رضي الله عنها-، وقدم عليٌّ لها مهرًا لسيدة نساء العالمين وريحانة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعاش علي -رضي الله عنه- مع زوجته فاطمة في أمان ووفاق ومحبة، ورزقه الله منها الحسن والحسين.
وذات يوم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار علم فلم يجده، فسأل عنه زوجته فاطمة الزهراء: "أين ابن عمك"؟ فقالت: في المسجد، فذهب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هناك، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وأصابه التراب فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عن ظهره، ويقول له: "اجلس يا أبا تراب .. اجلس يا أبا تراب" [البخاري].
وشهد علي مع النبي صلى الله عليه وسلم جميع الغزوات، وعرف بشجاعته وبطولته، وفي يوم خيبر قال النبي صلى الله عليه وسلم "لأعطين الراية غدًا رجلا يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو قال: يحب الله ورسوله)، يفتح الله على يديه" [البخاري].
فبات الصحابة كل منهم يتمنى أن يكون هو صاحب الراية، فلما أصبح الصباح، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عليّ، فقيل له: إنه يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: "فأرسلوا إليه، فأتوني به".
فلما جاء له، بصق في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلتم حتى يكونوا مثلنا: "أنفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" [البخاري]. ففتح الله على يديه.