تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعطاه، وأغدق عليه، فذهب إلى مصر وتغير على عثمان، وحرض الناس على الفتنة؛ لأن عثمان منعه الولاية (19).

ويروى أن كعب الأحبار نصحه فما انتصح؛ فقد ركب معه السفينة فقال محمد بن أبي حذيفة:"يا كعب، كيف تجد نعت سفينتنا هذه في التوراة قال كعب: لست أجد نعت هذه السفينة ولكن أجد في التوراة أنه ينزو في الفتنة رجل يدعى فرخ قريش له سن شاغية فإياك أن تكون ذاك" (20).

وقد قتل أيضاً في تلك الفتنة التي كان أحد مشعليها عفا الله عنا وعنه، ورحمنا وإياه.

قال الذهبي رحمه الله تعالى بعد أن عرض سيرته: "عامة من سعى في دم عثمان قتلوا وعسى القتل خيراً لهم وتمحيصاً" (21).

الفتنة بالدنيا سبب كل فتنة:

ذكر المؤرخون (22) أن الدنيا لما انفتحت على المسلمين آنذاك، ووسع عليهم عثمان بعد أن زهدَّهم عمر رضي الله عنهما؛ اتخذوا الضياع، ومالوا إلى الجاه والمال؛ فاستطالوا عمر عثمان، وسعوا في الفتنة وهم لا يعلمون عواقبها، فما سلمت لهم الدنيا التي أثاروا الفتنة من أجلها، وأضروا بدينهم ضرراً كبيراً، يلقون الله تعالى يوم لقائه بدم خليفة راشد، زوّجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه، وبشره بالجنة، وشهد له بها، وزكاه أعظم تزكية فقال عليه الصلاة والسلام: "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم" (23).

وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين حذر أمته من الدنيا، واستشرافها، ومحبتها، والخضوع لها، وخافها أشد الخوف فقال عليه الصلاة والسلام: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" وفي رواية: "وتلهيكم كما ألهتهم" رواه الشيخان (24).

فمن أعظم الفتن التي تفتح أبواب فتن كثيرة: الفتنة بالدنيا وزهرتها، وليس شيئاً مفسداً لقلوب العباد كالفتنة بها؛ فمن فُتِنَ بها بدّل كلام الله تعالى، وحرَّف الكلم عن مواضعه، ولم يتورع عن فعل أي شيء؛ حتى إنه ليسفك الدماء المحرمة، وينتهب الأموال المحترمة، وينتهك الأعراض المصونة، بتأويلات خاطئة. وحب الدنيا رأس كل خطيئة (25)؛ لأنه سبب للهوى، والهوى لا ضابط له، ولا قيد يقيده، فصاحبه يستحل محارم الله تعالى، ويرفض شريعته؛ لأنها تخالف هواه؛ ولذلك سمى الله تعالى الهوى إلهاً يعبد من دونه فقال سبحانه: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على" علم وختم على" سمعه وقلبه وجعل على" بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون صلى الله عليه وسلم لله 23 صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم الجاثية: 23}.

وقد يظن كثير من الناس: أن سعة الدنيا خير لهم من ضيقها؛ ولذلك يسألون الله تعالى سعة الرزق، وليس الأمر كما يظنون؛ فكم من عبدٍ حماه الله تعالى الدنيا فكان ذلك خيراً له، كما في حديث قتادة بن النعمان رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء" (26). وكم من عبد بسط له منها ما بسط ففتن بها، فكان هلاكه بسبب ذلك.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٢٦٦