إن استمساكه رضي الله عنه بالخلافة حتى آخر قطرةٍ من دمه، مع عدم القتال عليها؛ كان الخيار الحسن بين شرين عظيمين، فلو قاتل عليها لسفكت دماء كثيرة من ضمنها دمه، فكانت الخسائر أكبر. ولو تنحى عن الخلافة لما وفى بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وفي تنحيه عنها فتح لباب شرٍ كبير على الأمة؛ إذ يتولى شؤونها الرعاع والدهماء، يقودهم أصحاب النوايا السيئة من المنافقين والمفسدين، فيعزلون من شاؤوا، ويولون من شاؤوا حسب أهوائهم، ومنصب الإمامة الكبرى ليس ألعوبة في أيدي السفهاء والدهماء، بل هو شأن كبراء الأمة وعقلائها وعلمائها من أهل الحل والعقد.
ولا يفتات على هذا الحق من عامة الناس، إلا من أُشرب الفتنة، كما أُشرب بنو إسرائيل العجل، ولا يطعن فيه لأجل دنيا لم يصبها إلا طلاب الدنيا، وعّباد الأموال والجاه، الذين إن أعطي أحدهم رضي، وإن لم يعط سخط، تعس فانتكس، وإذا شيك فلا انتقش.
جعلنا الله تعالى هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، وهدانا صراطه المستقيم، وأصلح لنا أحوال الدنيا والدين.
الهوامش:
(1) انظر: فوائد البلوى والمحن للعز بن عبدالسلام (9).
(2) وذلك أن راوي الحديث أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو بوّاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، والأشعريون رضي الله عنهم قدموا عام خيبر سنة سبع من الهجرة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث بين العام السابع والعاشر، وعثمان رضي الله عنه قتل سنة خمس وثلاثين للهجرة، فوقع إخباره عليه الصلاة والسلام بعد ثمان وعشرين سنة، أو بعد خمس وعشرين سنة، أو بينهما.
(3) أخرجه البخاري (3492) ومسلم (2403) وأحمد (4 - 393) وعبد بن حميد (555) وابن حبان (6912) والرواية الثانية لمسلم والرواية الثالثة للبخاري (3490).
(4) كان مبتدأ ذلك من الكوفة، ثم امتد إلى البصرة، حتى وصل إلى مصر، وانظر تفصيل ذلك في: تاريخ الطبري (4 - 251) وتاريخ خليفة (157) والكامل لابن الأثير (3 - 82) وعبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام للدكتور سليمان بن حمد العودة وفيه نقولات مهمة، وتحليلات جيدة، ومقارنات موفقة في هذا الموضوع جزى الله كاتبه خيراً (142133).
(5) انظر: تاريخ الطبري (4 - 351) والبداية والنهاية (7 - 142141) وسير أعلام النبلاء "الخلفاء الراشدون" (193).
(6) البداية والنهاية (7 - 158).
(7) أخرجه من حديث عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه أحمد في المسند (5 - 63) وفي فضائل الصحابة (738) والترمذي، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه (3701) وابن أبي عاصم في السنة (1279) والطبراني في مسند الشاميين (1274) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (3 - 110).
وجاء نحوه عن ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد في فضائل الصحابة (854).