هدي الصحابة رضي الله عنهم خيرُ الهدي، وهم أصلح الأمة قلوباً، وأزكاهم أعمالاً، وأكثرهم علماً وفقهاً، فمن رام الهداية إلى الحق، فليسلك مسلكهم، وليستمسك بهديهم، ولينهل من فقههم وعلمهم.
وفي حادثه مقتل عثمان رضي الله عنه، وموقفه من تلك الفتنة العمياء: ما يدل على أنه رضي الله عنه كان من كبار فقهاء هذه الأمة، ومن أشدهم تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، واتباعاً لسنته، وعملاً بقوله، ولم تفقده الفتنة صوابه، ولاخرج عن الاتباع قيد أنملة، رغم ما مرّ به من شدة ومحنة.
ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في استسلامه لقضاء الله تعالى وقدره، وحقنه لدماء المسلمين، وتقديم مصلحة الأمة على مصلحته الخاصة؛ بالاكتفاء بسفك دمه دون دم غيره، مع وجود من سيدافع عنه، ويقيه بدمه؛ لكنه رأى أن لا فائدة من ذلك، وأحس بدنو أجله؛ فكان شجاعاً، واجه الأمر لوحده، وأعفى المسلمين من تبعة ذلك، فحقن بفعله هذا دماءً كثيرة.
وأعظم من ذلك فقهاً وعلماً: أنه رفض التنازل عن الخلافة؛ تلبية لمطالب الخوارج، ولو كان في ذلك ذهاب نفسه؛ إعمالاً للنصوص النبوية التي استحضرها في تلك الفتنة، وعلم ما فيها من العلم والفقه رغم ما هو فيه من الشدة والمحنة، فمن يثبت عقله كما ثبت عقل عثمان، في فتنةٍ تجعل الحليم حيران؟!
روى أبو سهلة مولى عثمان رضي الله عنه أن عثمان قال يوم الدار حين حُصِر:"إن رسول صلى الله عليه وسلم عهد إليّ عهداً، فأنا صابر عليه، قال قيس ابن أبي حازم: فكانوا يرونه ذلك اليوم" رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح (22).
وروت عائشة رضي الله عنها فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا عثمان، لعل الله يقمصك قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه حتى يخلعوه" رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
وفي لفظ للإمام أحمد:"إن الله لعله يُقَمِصُّك قميصاً فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات، قال النعمان بن بشير لعائشة: يا أم المؤمنين، فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بني، والله أُنسيته" (23).
رضي الله عن عائشة؛ نسيت هذا الحديث، فلما قتل عثمان تذكرته، ورضي الله عن عثمان ما نسيه رغم المصيبة التي ألمت به، وهذا من أعظم الدلائل على ثبات عثمان، وشدة امتثاله لوصايا النبي صلى الله عليه وسلم.
وروت عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عثمان يوماً فتنحى به، فجعل ُيسارُّه ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ عهداً وإني صابر نفسي عليه" رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (24).
لقد كان عثمان رضي الله عنه مسدداً في رأيه، موفقاً في اختياره، وتجاوز الفتنة بأقل الخسائر، وأكبر المكاسب؛ فلقي الله عز وجل وقد حفظ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته، ولم تتلطخ يداه بدماء معصومةٍ محرمة، بل لم يسفك حتى دماء أعدائه الخارجين عليه، وهم يستحقون ذلك، وقُتِل ظلماً وعدواناً يجد عقبى ذلك يوم القيامة.