تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم والله! إنهم قد ظنوا أنهم أحسنوا صنعاً بقتله، وقد أساءوا أعظم الإساءة، ودعا سعد عليهم وهو مجاب الدعوة فقال: "اللهم أندمهم ثم خذهم" (13).

فاستجاب الله تعالى دعاء سعد، فما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولاً؛ كما أقسم على ذلك بعض السلف (14)، وبعضهم قتل شر قتِْلة بعد أن طُورِدوا وعُذِّبوا ومُثِّلَ ببعضهم.

نسأل الله العفو والعافية، كما أسأله أن يحفظنا والمسلمين من مضلات الفتن، ونوازع الهوى، والتباس الحق بالباطل.

بين مقتل عثمان وواقعنا الحاضر:

ما يحصل في بلاد المسلمين من اختلاف وفرقة، وتنازعٍ في الأقوال، وتراشقٍ بالتهم، وانتشارٍ للأهواء، وازدياد الفتن في وقت عصيب عسير ليستدعي التوبة الجماعية إلى الله تعالى، والتجرد من الأهواء، والتزام الكتاب والسنة، والنصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والسعي الحثيث إلى ما يجمع الكلمة، ويرأب الصدع، مع الاستفادة من التجارب السابقة في تاريخ المسلمين في مواجهة المحن، ومعالجة الفتن، واجتناب أخطائها، والتزام صوابها.

ولو نظرنا في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه لوجدنا أن بدايتها كانت مجرد آراء في الاعتراض على سياسات معينة، ثم تفاقمت بفعل أعداءٍ ملأ الحقد قلوبهم، فاندسوا في صفوف الدهماء والرعاع، يؤلبونهم ويحرضونهم على الخروج على عثمان رضي الله عنه، كان على رأسهم: ابن السوداء (عبدالله بن سبأ اليهودي) الذي لقب بالموت الأسود، وأظهر الإسلام، وكان على رأس طلائع الخارجين على عثمان، ينفخ في نار الفتنة، ويقطع الطريق على أيِّ مبادرة لرد العدوان عن عثمان رضي الله عنه، ويُحَرِّض عامة الناس، ويضخم الأخطاء، ويتخذ الكذب والأباطيل والإشاعات سبيلاً إلى ما يريد؛ حتى بلغ ما تمنى، وكان أخزاه الله تعالى من جملة من اقتحموا الدار على عثمان رضي الله عنه، وخنقه خنقاً شديداً (15).

وسبب آخر لايقل أهمية عن السبب الأول وهو أن مروان بن الحكم كان من خاصة عثمان رضي الله عنه، وأقام معه في الدار، ولما وقع الصلح في بدايات الفتنة بين عثمان والخارجين عليه بأن يلبي بعض مطالبهم، وكتب كتاباً بذلك؛ إخماداً للفتنة، وحقناً للدماء؛ اجتهد مروان من تلقاء نفسه، وافتات على ولي أمره، فكتب كتاباً ختمه بخاتم عثمان، ووجهه إلى أمير مصر يأمره بقتل الخوارج على عثمان وصلبهم، وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فاطلع الخارجون على عثمان على هذا الكتاب فثارت ثائرتهم، وعادوا مرة أخرى بعد أن سكنوا وتم الصلح، فحلف عثمان رضي الله عنه أنه ما كتب كتاباً ولا رضيه، فطلبوا منه أن يسلم مروان فأبى عثمان رضي الله عنه؛ خشية أن يقتلوه بسبب ذلك، ورأى عثمان أن اجتهاد مروان خاطيء ولكنه لا يوجب قتله، ولو استحق القتل فذلك لولي الأمر وليس للخوارج. فكان من أمر الله تعالى وقدره ما كان (16).

وذكر بعض المحققين أن الكتاب زوّره الخوارج على عثمان}، كما زوّروا كتباً على بقية الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عن الجميع قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليهم من

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٢٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٢٥٣