* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} (النصر).
قال ابن عباس رضي الله عنه هي نعي للرسول صلى الله عليه وسلم. فكل هذه الإشارات كانت تعنى دنو أجله صلى الله عليه وسلم.
وفي يوم الاثنين 19 صفر سنة 11 من الهجرة بدأه المرض، وكان صداعاً حاداً منعه الحركة أول يوم، و كان في بيت أم المؤمنين ميمونه، فلما اشتد به المرض استأذن زوجاته في أن يمرض في بيت أم المؤمنين عائشة فأذِنَّ له، فخرج إلى بيت عائشة ورجلاه تخطان في الأرض من شدة المرض، يساعده علي بن أبي طالب و الفضل بن عباس.
فمكث أياماً والوجع لا يفارقه، لكنه يخرج للصلاة، ويعود إلى فراشه، وقبل الوفاة بخمسة أيام تحامل على نفسه، وخرج للناس وخطبهم، مذكراً أن الموعد معه على الحوض، وأنه ينظر إلى مقامه هناك، وحذرهم من التنافس في الدنيا، وأوصاهم بالنساء خيراً، ثم قال: (إنِّ عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ما عند الله)، فأخذ أبو بكر يبكي ويقول: فديناك بآبائنا فديناك بأمهاتنا، فعجب الناس من بكاء أبي بكر رضي الله عنه، وكان قد فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فالمُخَيَّر هو رسول الله نفسه، فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه ونوه بفضله، ثم تحرياً منه للعدل دعا الناس قائلاً: " من كانت له مظلمة عندي فليقتصها الآن مني، ومن كان له شيء عليّ فليأخذه الآن "، ثم عاد إلى فراشه فدخل عليه جمع من الصحابة وهو يتألم، فأوصاهم عليه الصلاة والسلام بثلاثة: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بمثل ما كان يجيزهم، وإنفاذ جيش أسامة إلى الروم.
ثم كان يشتد عليه الألم حتى يغمى عليه وعندما يفيق يقول: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا تجعلوا قبري وثناً يعبد).
فلما رأت فاطمة ما به من الألم قالت: (واكرب أباه)، فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم)، ومع اشتداد الألم عليه أوصى أن يصلي أبي بكر بالناس فصلى بهم سبع عشرة صلاة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقبل الوفاة بيوم أعتق غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب أسلحته للمسلمين.
قالت عائشة رضي الله عنها كان إذا أفاق من ألمه يقول: (اللهم الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى)، فعلمت أنه يفارقنا وكان يدعو اللهم اغفر لي و ارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وفي اليوم الأخير أزاح ستار البيت والناس في صلاة الفجر، فنظر إليهم وتبسم، وظن الناس أنه قد شفي، وكان أخر ما قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم).
ثم إنه في ضحى نفس اليوم الاثنين 12 ربيع الأول 11 هـ توفي صلى الله عليه وسلم وكان واضعاً رأسه الشريف على صدر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فخرجت في دهشة، وأخبرت الناس الخبر، والذي نزل عليهم كالصاعقة، وذهل كبار