تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصابت الحمى الرسول صلى الله عليه وسلم، وظل يعاني منها أيامًا، فأمر أبا بكر الصديق أن يصلي بالناس، وكان إذا خرج إلى المسجد استند إلى الفضل بن العباس،

وعلي بن أبي طالب.

وفي بيت عائشة -رضي الله عنها- اشتد به الوجع، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه، فأمرهم أن يصبوا عليه من سبع قرب مليئة بالماء لم يكشف غطاؤها، لعله يستطيع الخروج إلى الناس فقال: "أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتُهُنَ لعلي أعهد إلى الناس" [متفق عليه].

قالت عائشة -رضي الله عنها-: فأجلسناه في مخضب (الشيء الذي يغسل فيه الثياب)، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن.

ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبه، وكان عاصبًا رأسه، فجلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم. ثم قال: "عبد خَيَّرَهُ بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عنده".

فبكى أبو بكر -رضي الله عنه- إذ علم ما يقصده النبي صلى الله عليه وسلم، وناداه قائلاً: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "على رسلك يا أبا بكر. أيها الناس، إن أمن الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلا؛ لاتخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، وإن فرط لكم، وأنا شهيد عليكم. وإني والله ما أخاف أن تشركوا من بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها" [متفق عليه].

وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، واشتد به وجعه، وثقل عليه مرضه، وكان إلى جواره قدح به ماء، يغمس فيه يده، ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: "اللهمَّ أعني على سكرات الموت" [الترمذي والنسائي].

وكانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه. [ابن ماجة وأحمد]

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته فحدثها سرًّا فبكت، ثم حدثها فضحكت، فقالت عائشة لها: ما هذا الذي سارَّك به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت، ثم سارَّك فضحكت؟ قالت: سارني فأخبرني بموته فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله، فضحكت. [متفق عليه].

وفي صلاة صبح يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول في العام الحادي عشر للهجرة، رفع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الستر المضروب على منزل عائشة، فنظر إلى أصحابه وهم يصلون، فسره اجتماعهم ووحدة كلمتهم، ونظر إليه الناس، فاطمأنوا عليه، وظنوا أن صحته قد عادت إليه، ولكنها كانت نظرة الوداع، فما إن حل الضحى حتى خرجت روحه الطاهرة إلى خالقها سبحانه وتعالى.

فقالت فاطمة -رضي الله عنها-: يا أبتاه! أجاب ربًّا دعاه. يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه. يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه. [البخاري]

وتسرب النبأ الأليم في المدينة، فأظلمت جنباتها بعد أن أشرقت، وسعدت بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أرضها.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢١٣٣