تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكعب في لهفته - وقد تنكرت له الأرض فلم تعد الأرض التي كان يعرف - يتلمس حركة من بين شفتي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويخالسه النظر لعله يعلم أن رسول الله قد ألقى إليه بنظرة يحيا على الأمل فيها، ويطمئن إلى أنه لم يقطع من تلك الشجرة، ولم يكتب له الذبول والجفاف!

وبينما هو طريد شريد، لا يلقي إليه مخلوق من قومه بكلمة - ولو على سبيل الصدقة - يجيئه من قبل ملك غسان كتاب يمنيه بالعزة والكرامة والمجد والجاه. . ولكنه بحركة واحدة يعرض عن هذا كله، وما يزيد على أن يلقي بالكتاب إلى النار، ويعد هذا بقية من البلاء، ويصبر على الابتلاء.

وتمتد المقاطعة فتعزل عنه زوجه. لتدعه فريداً طريداً من الأنس كله، مخلفاً بين الأرض والسماء. فيخجل أن يراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأته، لأنه لا يدري كيف يكون الجواب.

هذه صفحة. والصفحة الأخرى هي صفحة البشرى. بشرى القبول. بشرى العودة إلى الصف. بشرى التوبة من الذنب. بشرى البعث والعودة إلى الحياة. .» فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا. قد ضاقت علي نفسي، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفىَ على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء الفرج. فآذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قِبلَ صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجل فرساً، وسعى ساع من أسلم قِبلي وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. والله ما أملك غيرهما يومئذ، فاستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أؤم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة، ويقولون: ليهنك توبة الله عليك.

حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد وحوله، الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة «. .

هكذا كانت الأحداث تقدر وتقوّم في هذه الجماعة. وهكذا كانت توبة مقبولة تستقبل وتعظم؛ كانت بشرى يركض بها الفارس إلى صاحبها، ويهتف بها راكب الجبل ليكون أسرع بشارة. وكانت التهنئة بها والاحتفاء بصاحبها جميلاً لا ينساه الطريد الذي رد إلى الجماعة واتصلت بها وشائجه، فهو في يوم كما قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك «قالها - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور. كما قال كعب، فهذا القلب الكبير الكريم الرحيم قد فاض به السرور أن تقبل الله توبة ثلاثة من أصحابه وردهم مكرمين إلى جماعته.

تلك هي قصة الثلاثة الذين خلفوا ثم تاب الله عليهم، وهذه هي بعض لمحات دلالتها الواضحة على حياة الجماعة الإسلامية، وعلى القيم التي كانت تعيش بها.

والقصة كما رواها أحد أصحابها، تقرب إلى نفوسنا معنى الآية:

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٠٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٠٩٤