تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عز فيها المؤمنون، وسقط المنافقون، وذل الكافرون وانهزموا، وبالجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله يُنصَر المؤمنون، و المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون، لا خوف يُرهبهم، و لا هم في الحوادث يحزنون.

دروس وعبر من غزوة تبوك:

ولئن انتهت غزوة تبوك، فما انتهى نورها، و ما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حديث منها قصة، و في كل قصة عظة وعبرة، و في كل ذكرى منها موعظة، هل يكفي سرد أحاديث الماضي، والتغني بالذكر الغابر؟ هل يجزي هذا، و قد تشابكت بأمة الإسلام –في هذه الأعصار- حلقات من المحن، و تقاذفتها أمواج من الفتن، وصيح بهم من كل جانب، و تداعى عليهم الأكلة من كل فج. لابد أن نستفيد مما مضى، فهاكم بعض دروسها وعبرها:

وأول هذه الدروس: أن هذه الأمة أمة جهاد، و مجاهدة، و صبر، ومصابرة، و متى ما تركت الجهاد، ضُربت عليها الذلة والمسكنة.

دعِ المِداد و سطِّر بالدَّمِ القانِي ... و أسكتِ الفَمَ و اخطبْ بالفمِ الثَّانِي

فَمُ المدافعِ في صدرِ العداة لهُ ... منَ الفصاحةِ ما يُذري بسحبانِ

ومن هذه الدروس: أن الله تعالى، كتب العزة والقوة لهذه الأمة، متى ما صدقت وأخلصت، فها هي دولة الإسلام الناشئة، تقف في وجه الكفر كله بقواه المادية فتهزمه، وتنتصر عليه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ... [40]﴾ [سورة الحج].

ومن هذه الدروس: أنه ما تسلل العدو سابقًا ولاحقًا إلا من خلال الصفوف المنافقة، ولم يكن الضعف والتفرقة في هذه الأمة، إلا من قِبَل أصحاب المسالك الملتوية: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ... [47]﴾ [سورة التوبة].

ومن هذه الدروس: أن مواجهة الأعداء، لا يشترط فيها تكافؤ القوى: يكفي المؤمنين أن يعدُّوا أنفسهم بما استطاعوا من قوة، ثم يثقوا بالله، و يتعلقوا به، ويثبتوا، ويصبروا، وعندها يُنصروا، فها هو سلفهم ابن رواحة يقول:' والله ما نقاتل الناس بعَدد، ولا عُدد، و ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي كرمنا الله به'.

ومن هذه الدروس: أن الحق لابد له من قوة تحرسه، لا يكفي حق بلا قوة.

فما هو إلا الوحيُ أو حدُّ مُرهَف ... تقيم ظباه أخدعيْ كل مائلِ

فهذا دواء الداء من كل جاهل ... و هذا دواء الداء من كل عاقلِ

دعا المصطفى دهرًا بمكة لم يُجَب ... وقد لان منه جانب وخطاب

فلما دعا و السيف بالكف مسلط له ... أسلموا و استسلموا و أنابوا

ومن هذه الدروس: أن الأعداء لن يَرْكنوا إلى السكون، و لن يصرفوا أنظارهم عن دولة محمد صلى الله عليه وسلم سابقًا و لاحقًا، فهم يُجمعون أمرهم و شركاءهم، و يُعمِلُون مكرهم و دسائسهم:

﴿ ... وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [30]﴾ [سورة الأنفال]. في نهاية هذه الغزوة هاهي مؤامرة دنيئة يقوم بها أدنياء سفلة عددهم اثنا عشر شقيًا منافقًا تواطئوا على قتل محمد صلى الله عليه وسلم. وتنفيذ الخطة - في تقديرهم- بمضايقته في عقبة في الطريق إلى تبوك ليسقط من على راحلته فيهلك -على حد زعمهم-، و يصل إلى

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٠٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٠٨٧