الله: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿فوزا عظيما﴾ (سورة الفتح 1 - 5).
ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير -رجل من قريش- مسلماً، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي بيننا وبينك، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة. فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيداً. فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال: أرني أنظر إليه، فقتله بسيفه، ورجع أبو بصير إلى المدينة، فقال: يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب، لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت منهم أبو جندل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل -قد أسلم- إلا لحق به، حتى اجتمعت منهم عصابة. فما سمعوا بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقاتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن أتاه منهم فهو آمن.
وكان هذا الصلح فتحاً عظيماً، ونصراً مبيناً للمسلمين، وذلك لما ترتب عليه من منافع عظيمة؛ حيث اعترفت قريش بالمسلمين، وقوتهم، وتنازلت عن صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، فلا عجب إذاً أن يسمّيه الله تعالى فتحا مبينا.
==============
صلح الحديبيبة
المبحث الأول: أحداث الحديبية:
خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأداء العمرة في يوم الاثنين هلال ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخشى أن تعرض له قريش بحرب أو يصدوه عن البيت الحرام، لذلك استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، فأبطؤوا عليه، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وبمن لحق به من العرب.
وقد كشف القرآن عن حقيقة نوايا الأعراب، فقال: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا. يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أردا بكم نفعاً، بل كان الله بما تعملون خبيراً. بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا).
وقد ذكر مجاهد أن الأعراب الذي عنتهم الآية هم أعراب جهينة ومزينة، وذكر الواقدي أن الأعراب الذي تشاغلوا بأموالهم وأولادهم وذراريهم هو بنو بكر ومزينة وجهينة.
ويفهم من رواية البخاري أن المسلمين كانوا يحملون أسلحتهم استعداد للدفاع عن أنفسهم في حالة الاعتداء عليهم.
لقد اتفق خمسة من الذين كانوا في هذه الغزوة على أن عدد من خرج فيها كانوا ألفا وأربعمائة رجل.