كانت قِبلة لبعض الجهال، ولكن الله ﴿غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
==============
صلح الحديبية وشروطه
(الشبكة الإسلامية)
لم تخمد مشاعر المسلمين في المدينة شوقاً إلى مكة، التي حيل بينهم وبينها ظلماً وعدواناً، وما برحوا ينتظرون اليوم الذي تُتاح لهم فيه فرصة العودة إليها والطواف ببيتها العتيق، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي برز فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ليخبرهم برؤياه التي رأى فيها دخوله لمكة وطوافه بالبيت، فاستبشر المسلمون بهذه الرؤيا لعلمهم أن رؤيا الأنبياء حق، وتهيّؤوا لهذه الرحلة العظيمة.
وفي يوم الإثنين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم، يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة، وليس معهم إلا سلاح السفر، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة، فلما اقتربوا من مكة بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت.
فلما نزل الرسول بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً، وادعهم إلى الإسلام، وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان. فانطلق عثمان، فمر على قريش، فقالوا: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم: أنه لم يأت لقتال، وإنما جئنا عماراً. قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ إلى حاجتك.
ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين، فخاف الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل، فدعا إلى البيعه، فتبادروا إليه، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها قوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (سورة الفتح 18).
وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك -كسرى، وقيصر والنجاشي- والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً. والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي:
الأولى: رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عامه وعدم دخول مكة، وإذا كان العام القادم دخلها المسلمون بسلاح الراكب، فأقاموا بها ثلاثاً.
الثانية: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس.