وقد ذكرت كتب السيرة خبر هذه البيعة بطرق متعددة، وبألفاظ متقاربة؛ من ذلك ما رواه الطبري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: بينما نحن قافلون من الحديبية، نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، البيعة البيعة! نزل روح القدس. قال: فسرنا إلى رسول الله، وهو تحت شجرة سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ فأخبر سبحانه نبيه أنه قد رضي عن أصحابك المؤمنين، لمبايعتهم إياك على الجهاد، ومواجهة قريش في موقفها العنيد، وعلى أن لا يفروا ولا يولوهم الأدبار، مهما كلفهم ذلك من التضحيات.
وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجل يقال له أبو سنان، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أبسط يديك حتى أبايعك، فقال: على ماذا، قال: على ما في نفسك، قال: وما في نفسي، قال: الفتح أو الشهادة. فبايعه، وكان الناس يجيئون فيقولون: نبايع على بيعة أبي سنان.
قال ابن اسحاق صاحب السيرة: فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس، أخو بني سلمة، قال: كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه، يقول: لكأني أنظر إليه، لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبأ (أي: لصق بها واختبأ) إليها، يستتر بها من الناس.
ولما تمت البيعة المرضية، رجع عثمان رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له بعضهم: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي، والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت بها، حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنًا.
وقد ثبت في صحيح الحديث - ناهيك على ما جاء في القرآن - الشهادة بالجنة لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبية؛ فعن أم مبشر رضي الله عنها: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة رضي الله عنها: (لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (مريم:71) فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله عز وجل: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ (مريم:72) رواه مسلم، وفي "سنن" أبي داود: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) وفي "المصنف" ل ابن أبي شيبة، قال: السابقون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان. وقد وعد سبحانه هؤلاء بالجنة، قال الله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ (التوبة:100).
وعلى العموم، فإن وقائع هذه البيعة تفيد العديد من العبر، ويُستنتج منها الكثير من الفوائد، وهاك بعضًا من ذلك:
- صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، وصدق بصائرهم, وأنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء لله; إذ من غير الجائز أن يخبر الله