تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيد أن عيون المسلمين كانت لهم بالمرصاد، فحالما تسلل أولئك النفر إلى المكان الذي كان ينزل فيه المسلمون اعتقلوا جميعًا، وفشلت محاولتهم التي كانوا يرمون إليها، وأخذوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرر في أمرهم ما يراه مناسبًا للموقف.

ورغبة منه صلى الله عليه وسلم في الصلح، وتمشيًا مع القصد الذي خرج صلى الله عليه وسلم لأجله، فقد أطلق سراحهم وعفا عنهم، وفي ذلك أنزل الله قوله الكريم: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ (الفتح:24)

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يبلغ قريشًا موقفه وهدفه وغايته من هذا السفر؛ فعزم على أن يبعث إليها سفيراً يؤكد لها موقفه ذلك، فانتدب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليرسله إليهم، فاعتذر عمر رضي الله عنه قائلاً: يا رسول الله، ليس لي أحد بمكة من بني عدي بن كعب، يغضب لي إن أوذيت، فأرسلْ عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلِّغ ما أردت. فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه، وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وحرب، وإنما جئنا عُمَّارًا - أي: نبتغي العمرة - وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان.

فانطلق عثمان رضي الله عنه لما وجَّهه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى قريشًا، وبلَّغ زعماءها الرسالة التي حمَّله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من إبلاغ رسالته، عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، فرفض هذا العرض، وأبي أن يطوف إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما رأت قريش هذا الموقف من عثمان رضي الله عنه، وهو موقف لم يَرُقْ لها بحال، لجأت إلى أسلوب الضغط والتهديد، فاحتبست عثمان عندها - ولعلها أرادت من وراء هذه الخطوة، أن تتشاور فيما بينها في الوضع الراهن، وتبرم أمرها. أو لعلها أرادت أن تتخذ من عملية اعتقال عثمان رضي الله عنه ورقة ضغط في وجه المسلمين - وأشاعت خبر ذلك بين المسلمين، وطال احتباس عثمان رضي الله عنه، حتى شاع بين المسلمين أنه قتل. فلم بلغ خبر تلك الإشاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا نبرح حتى نناجز القوم) ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان). ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جَدُّ بن قَيْس.

وقد ذكر القرآن الكريم خبر هذه البيعة، ومدح أصحابها، ورضا الله عنهم، قال تعالى في ذلك: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ (الفتح:18) ولأجل ما ذكر الله، سميت هذه البيعة (بيعة الرضوان) وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة من صحابته رضوان الله عليهم تحت شجرة، وكان عمر رضي الله عنه آخذًا بيده، و مَعْقِل بن يسار آخذًا بغصن الشجرة، يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٩٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٩٥٩