ومع ذلك فقد تلبث الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً لتنقية الصف المسلم وتصفيته من الدخلاء، ثم تنزّل الوحي بعد ذلك زاجراً ومتوعداً من تعرض لجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي ذلك يقول الزمخشري في الكشاف: (ولو فلّيتَ القرآن كله وفتّشتَ عما أوعد به العُصاة لم تر الله تعالى قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ... ، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم ... ، فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله له في حرمته وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه).
وفي هذه الأيام يتعرض الحبيب صلى الله عليه وسلم لإفك جديد عبر حملة صليبية مسعورة، وبنكهة صهيونية واضحة، انطلقت شرارتها من مملكة الدنمرك، ويؤكد ذلك ما كشفه الأستاذ فادي ماضي، رئيس المؤتمر العربي الإسلامي الأوربي في رسالته إلى منظمة المؤتمر الإسلامي ومفادها أن رئيسي الصحيفتين الدنمركية والنرويجية اللتين كانتا أول من نشر الرسوم الدنسة، ما هما إلا عضوان في المؤتمر اليهودي العالمي ومن ممولي ومصدّري معلومات قسم الدراسات والأبحاث في معهد سايمون فايزينتال اليهودي الذي يهدد مصالح العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم بحجة دفاعه عن السامية.
وبالمناسبة فإن رسام الصحيفة الدنمركية أعطي من جهة عمله إجازة مفتوحة أشبه بالفصل لأنه مازح صحفياً تحداه أن ينشر رسوماً ينتقد فيها اليهود، واضطرت صحيفته بعد ذلك أن تنشر اعتذاراً رسمياً لليهود في صفحتها الأولى بسبب قبول رسامها ذلك التحدي!
وعلى أية حال فإن هذه الجريمة لا يُستغرب صدورها من أصحاب الجحيم. ولكن الذي يستغرب هو قيام بعض أبناء الأمة المسلمة بالتباكي على الدنمرك والاستماتة في الدفاع عنها والتماس الأعذار لها وكأن شعبها قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر أو بيعة الرضوان، ومن ذلك قولهم: لماذا نكثر أعداءنا؟، وزعمهم أن القضية تتعلق بحرية التعبير، وأن الشعب الدنمركي مولع بحرية التعبير، ومن ذلك قولهم: إن الدنمرك من خير بلاد أوربا تسامحاً وحباً للعرب، مع أن النسبة العظمى من الشعب الدنمركي تؤيد الحكومة والصحيفة في رفضهما الاعتذار للمسلمين، كما أن أكبر أحزاب المعارضة يحذر من الاعتذار ويصفه بالخيانة، بل وأخطر من ذلك ما سبق أن صرحت به ملكة الدنمرك لصحيفة الديلي تلقراف البريطانية، حيث تقول: "إن دين الإسلام عقبة في طريقنا هذه السنين، محلياً و عالمياً. لقد تركنا الموضوع يتفاقم لأننا متسامحون و كسولون. مهما قال عنا الناس فيجب علينا مقاومة دين الإسلام لأن هناك أشياءً يجب عدم التسامح معها (أي الإسلام) ".
ومن هؤلاء الكتاب من يسخر بأمته المسلمة وأنها عالة على الأمم الأخرى ولن تستطيع المضي في طريق المقاطعة، وتناسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 28).