الله عليهم ونحن اليوم بشر كثير وقد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا).
وقال مالك بن سنان: يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين إما أن يظفرنا بهم أو يرزقنا الشهادة.
وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة.
وقال إياس بن أوس: يا رسول الله نحن بنو عبد الأشهل نرجو أن نذبح ويذبح فينا فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فيكون هذا جرأة لقريش.
وقال النعمان بن مالك: يا رسول الله لم تحرمنا الجنة؟ فوالذي لا إله إلا الله لأدخلنها, فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم: بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: صدقت.
وقال عبد الله بن جحش: اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غدا, فيقتلوني, ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني فيم ذلك فأقول فيك.
وكان هذا رأي الأغلبية الذي عارض رأي الرسول صلى الله عليه وسلم بكل حرية .. ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي ولبس درعه وحمل سلاحه .. فشعر المسلمون الذين ألحوا بالخروج بالندم وقالوا: استكرهنا رسول الله, وعرضوا عليه العودة إلى رأيه الأول .. فأبى وقال: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لامة الحرب أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه).
تعتبر عملية اتخاذ القرار من أصعب العمليات التي تواجه القيادة في مسيرها .. بل إن عملية اتخاذ القرار في حقيقتها هي لب القيادة .. فالقائد الناجح هو الذي ينجح في اتخاذ القرار المناسب من بين البدائل المطروحة, ونحن هنا أمام عملية متفردة في كيفية اتخاذ القرار .. لقد كان أمام المسلمين خياران .. البقاء بالمدينة والتحصن بها ولهذا الخيار حيثياته ودوافعه .. وخيار الخروج لملاقاة العدو ولهذا الخيار أيضا حيثياته ودوافعه .. وكان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قراره في هذا الموقف العصيب.
والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا في هذه الحادثة درسا عظيما في كيفية اتخاذ القرار, لقد اعتمد في اتخاذه لهذا القرار على جمع الحقائق واستخدمها بتفكير منطقي واستشار أصحابه ثم جاء العزم بلا تردد والتنفيذ بلا تراجع ..
وهذه هي آلية اتخاذ القرار عند الرسول صلى الله عليه وسلم:
1) جمع الحقائق
وهي المادة الخام لاتخاذ القرار .. ويتوقف نجاح القرار على وفرة الحقائق ودقة المعلومات .. فكلما توفرت معلومات دقيقة كان القرار أقرب إلى الرشد والصحة.
وقد رأينا حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على جمع المعلومات وتحقيقها عن طريق الرسالة التي بعث بها عمه العباس, كما تبين ذلك من إرساله لبعض أصحابه لاستكشاف جيش المشركين ومعرفة مدى التقدم الذي وصلوا إليه في مسيرهم.