وتوجه الجيش إلى المدينة، وعلم المسلمون بتحرك المشركين وقدومهم إليهم فحملوا أسلحتهم، والتفوا حول نبيهم، وظلوا حارسين لمدينتهم ليل نهار، وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يجمع أصحابه، ويستشيرهم في الأمر، فرأى بعضهم ألا يخرج المسلمون من المدينة، وأن يتحصنوا فيها، فإذا دخلها المشركون قاتلهم المسلمون في الطرقات وحصدوهم حصدًا، فهم أعلم بمسالك مدينتهم ورأى البعض الآخر -وخاصة الذين لم يشهدوا القتال يوم بدر- أن يخرجوا لملاقاة المشركين خارج المدينة.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحاب الرأي الأول، ومع ذلك وافق على الرأي الثاني؛ لأن أصحاب هذا الرأي ألحوا عليه، ولم يكن الوحي قد نزل بأمر محدد في هذا الشأن، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم بيته ولبس ملابس الحرب، وخرج إلى الناس، وشعر الصحابة الذين أشاروا على الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج بأنهم أكرهوه على ذلك، فقالوا له: استكرهناك يا رسول الله، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد (أي: إن شئت عدم الخروج فلا تخرج) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (أي درعه) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) _[أحمد].
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في ألف من أصحابه، في شوال سنة ثلاث من الهجرة، حتى إذا كانوا بين المدينة وأُحُد، رجع عبد الله بن أُبي بن سلول بثلث الجيش، وتبعهم عبد الله بن حرام يناشدهم الله أن يرجعوا، ولا يخذلوا نبيهم، وينصحهم بالثبات، ويذكرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين، ولكن الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لم يكن ثابتًا في قلوبهم، ولذلك لم يستجيبوا له، وقال ابن سلول: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ للإيمان﴾ [آل عمران: 167].
واختلف المسلمون في أمر هؤلاء المنافقين، ففرقة منهم تقول نقاتلهم، وأخرى تقول دعوهم، فنزل قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾ [النساء: 88] وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى اللواء مصعب بن عمير، واستعرض النبي صلى الله عليه وسلم الجيش يومئذ، فرد الصغار الذين لا يقدرون على القتال، وكان منهم يومئذ: عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم وعمرو بن حزم.
وهذا رافع بن خديج عمره خمس عشرة سنة يريد أن يشارك في المعركة، فيلبس خفين في قدميه ليبدو طويلا، فلا يرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوسط له عمه ظهير، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجيد الرماية، فقبله وعندئذ قال سمرة بن جندب: أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم رافعًا وردني وأنا أقوى، وأصرع رافعًا وأغلبه، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصارعه، فغلب سمرة رافعًا، فقبله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان الفتى المسلم الصغير يحرص على التضحية بروحه من أجل دينه والدفاع عنه.
واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك) _[ابن سعد] وعسكر المسلمون في شِعْبٍ في