والبدنيّة التي أحدثها الانتقال المفاجيء إلى بيئةٍ أخرى، مما أدّى إلى ظهور الأمراض في صفوفهم كالحمّى وغيرها.
كل هذه الظروف تجمّعت لتشكّل ضغوطاً نفسية كبيرة، كان لا بدّ معها من حلولٍ عمليّةٍ سريعةٍ تعوّضهم ما فقدوه في غربتهم، وتعيد لهم كرامتهم، وتُشعرهم بأنّهم لن يكونوا عبأً على إخوانهم الأنصار.
فكان أوّل عملٍ قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بناء المسجد تشريع نظام المؤاخاة، والتي تمّ إعلانها في دار أنس بن مالك رضي الله عنه، وهي رابطة تجمع بين المهاجريّ والأنصاريّ، تقوم على أساس العقيدة، وتوثّق مشاعر الحب والمودّة، والنصرة والحماية، والمواساة بالمال والمتاع.
وهذه المؤاخاة أخصّ من الأخوّة العامة بين المؤمنين جميعاً، وذلك لأنها أعطت للمتآخييْن الحقّ في التوارث دون أن يكون بينهما صلةٍ من قرابة أو رحم، كما في قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ (النساء: 33)
وقد استمرّ العمل بقضيّة التوارث زمناً، حتى استطاع المهاجرون أن يألفوا المدينة ويندمجوا في المجتمع، وفتح الله لهم أبواب الخير من غنائم الحرب وغيرها ما أغناهم عن الآخرين، فنسخ الله تعالى العمل بهذا الحكم، وأرجع نظام الإرث إلى ما كان عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: 75)، مع بقاء العمل بالنصرة، وتبادل العطايا، وإسداء المشورة والنصيحة، وغيرها من معاني الأخوة.
وتذكر لنا مصادر السيرة أسماء بعض الذين آخى بينهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد آخى بين أبي بكر و خارجة بن زهير، وآخى بين عمر بن الخطاب و عتبان بن مالك، وبين أبي عبيدة بن الجراح و سعد بن معاذ، وبين الزبير بن العوام و سلامة بن سلامة بن وقش، وبين طلحة بن عبيد الله و كعب بن مالك، وبين مصعب بن عمير و أبو أيوب خالد بن زيد رضي الله عنهم أجمعين، وأسماء أخرى بلغت تسعين صحابيّاً.
وعند مراجعة أسماء هؤلاء الصحابة، نجد أن تلك المؤاخاة لم تُقم وزناً للاعتبارات القبلية أو الفوارق الطبقية، حيث جمعت بين القوي والضعيف، والغني والفقير، والأبيض والأسود، والحرّ والعبد، وبذلك استطاعت هذه الأخوّة أن تنتصر على العصبيّة للقبيلة أو الجنس أو الأرض، لتحلّ محلّها الرابطة الإيمانيّة، والأخوّة الدينيّة.
وقد سجّل التاريخ العديد من المواقف المشرقة التي نشأت في ظلّ هذه الأخوة، ومن ذلك ما حصل بين عبدالرحمن بن عوف و سعد بن الربيع رضي الله عنهما، حيث عرض سعد على أخيه نصف ماله ليأخذه، بل خيّره بين إحدى زوجتيه كي يطلّقها لأجله، فشكر له عبد الرحمن صنيعه وأثنى على كرمه، ثم طلب منه أن يدلّه على أسواق المدينة، ولم يمرّ وقتٌ قصير حتى استطاع عبدالرحمن بن عوف أن يكون من أصحاب المال والثراء.