الصحابة قادراًُ على التخلص من عادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها، حتى لو كانت العادات قد استقرت منذ قرون , وصارت عرفاً مشروعاً وتقليداً مقبولاً. فمن ذلك أنه لما نزل قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة:90).
خرجت الأنصار بدنان الخمر إلى الأزقة وأراقوها وقالوا: انتهينا ربنا انتهينا ربنا. وشرب الخمر الذي أقلعوا عنه كان عادة متأصلة في حياة الفرد والمجتمع، والخمر الذي أراقوه كان مالاً ضحوا به تسليما لله رب العالمين.
ومن ذلك أن قوماً من المسلمين وفدوا على رسول الله صلى الله عيه وسلم في أول النهار , فإذا هم عراة حفاة يلبسون أكسية الصوف وعليهم السيوف ,
فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم إشفاقا عليهم، وجمع الناس، وحثّهم على الصدقة، وقرأ عليهم الآيات في ذلك ومنها ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ (الحشر: من الآية18) فتتابع الناس حتى جمعوا كومين من طعام وثياب، فتهلّل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فرحاً بمبادرة الصحابة إلى معونة إخوانهم وطاعة ربهم وكذلك بادرت الصحابيات إلى طاعة أمر الله تعالى، قالت عائشة رضي الله عنها: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ (النور 31) شققن مروطهنّ فاختمرن به" رواه البخاري.
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يلتزمون بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وكان للبيعة قيمة عالية، فهي التزام حرّ، وتعاقد بين الطرفين، وقد دللّوا دائما على صدق التزامهم فلبّوا داعي الجهاد، وخاضوا غمار المعارك في أماكن نائية عن ديارهم، ودفن كثير منهم في أطراف الأرض، وما عرفوا القعود عن الجهاد، والحفاظ على الكرامة ' والذود عن العقيدة. فجزاهم الله عن هذه الامة وهذا الدين خير الجزاء، وسلك بنا سبيلهم، وحشرنا في زمرتهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
==============
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
(الشبكة الإسلامية)
لو لم يُشر القرآن الكريم إلى قصّة المؤاخاة التي تمّت بين المهاجرين والأنصار، ولو لم تأتِ النصوص النبويّة الصحيحة والشواهد التاريخيّة الموثّقة لتؤكّد هذه الحادثة، لقلنا إنها قصّةٌ من نسج الخيال، وذلك لأن مشاهدها وأحداثها فاقت كلّ تصوّر، وانتقلت بعالم المثال والنظريات إلى أرض الواقع والتطبيق، وفي ظلّها قدّم الصحابة الكثير من صور التفاني والتضحية على نحوٍ لم يحدث في تاريخ أمّةٍ من الأمم، مما يجعلنا بحاجة إلى أن نقف أمام هذا الحدث نتأمّل دروسه، ونستلهم عبره.
تبدأ القصّة عندما خرج المهاجرون من مكّة المكرّمة، ليصلوا إلى أرضٍ جديدة وواقعٍ مختلف، وكان من أثر هذه الرحلة نشوء عدد من المشكلات الجديدة، ليس أقلّها: الشعور بالغربة ومفارقة الأهل والديار، وترك معظم الأموال والممتلكات في مكّة، وطبيعة الوضع المعيشي والاقتصادي الجديد، أضف إلى ذلك الآثار الصحيّة