تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يُحرم شرف هذه الرحلة المباركة، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحبته فأذن له، فبكى رضي الله عنه من شدّة الفرح، وكان قد جهّز راحلتين استعداداً للهجرة، فلما أعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -بقرب الرحيل قام من فوره واستأجر رجلاً مشركاً من بني الديل يُقال له عبد الله بن أُريقط، ودفع إليه الراحلتين ليرعاهما، واتفقا على اللقاء في غار ثورٍ بعد ثلاث ليالٍ، في حين قامت عائشة وأختها أسماء رضي الله عنهما بتجهيز المتاع والمؤن، ووضعا السفرة في وعاء، وشقّت أسماء نطاقها نصفين لتربط السُفرة بنصفه وقربة الماء بالنصف الآخر، فسمّيت من يومها بذات النطاقين.

وتسارعت الأحداث، وحانت اللحظة المرتقبة، وانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم -متخفّياً إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه، وكان الميعاد بينهما ليلاً، فخرجا من فتحةٍ خلفيةٍ في البيت، وفي الوقت ذاته أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يتخلّف عن السفر ليؤدي عنه ودائع الناس وأماناتهم، وأن يلبس بردته ويبيت في فراشه تلك الليلة؛ من أجل إيهام قريشٍ.

ونجح النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الفرار من بين أيديهم، ولم يكشتفوا الأمر إلا عندما أصبح الصباح وخرج عليهم عليٌ رضي الله عنه وهو لابسٌ بردة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجُنّ جنونهم، وأحاطوا به يسألونه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتظاهر بالدهشة وعدم معرفته بمكانه، وانطلقت قريشٌ مسرعةً إلى بيت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، لأنّهم يعلمون أنه صاحبه ورفيق دربه، ولابد أن يصلوا من خلاله إلى معلومة تقودهم إلى وجهته، إلا أنهم فوجئوا برحيله هو الآخر، فساءلوا أسماء عن والدها، فأبدت جهلها، فغضب أبو جهل لعنه الله ولطمها لطمة أسقطت الحليّ من أذنها.

وبدأت محاولات المطاردة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقاموا بمراقبة جميع منافذ مكّة مراقبة دقيقة، وأعلنوا بين أفراد القبائل جائزة ثمينة لمن يأتي به حيّاً أو ميّتاً، وأرسلوا كلّ من له خبرة بتتبّع الآثار، وانطلقت جموعهم شمالاً علّهم يقفوا له على أثر.

وخالف النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكائه وحنكته كل توقعاتهم، فلم يتجه صوب المدينة مباشرة، بل ذهب إلى جهة الجنوب حتى بلغ جبلاً وعراً يُقال له " جبل ثور "، يوجد في أعلاه غار يصعب الوصول إليه، ويمكنهم المكوث فيه إلى أن يهدأ الطلب.

وقادت الجهود قريشاً إلى غار ثورٍ، وصعدوا إلى باب الغار، وبات الخطر وشيكاً، وبلغت أصواتهم سمع أبي بكر فقال رضي الله عنه: " يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا "، فأجابه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إجابة الواثق المطمئنّ بموعود الله: (يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟)، وصدق ظنّه بربه، فإن قريشاً استبعدت وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المكان، و انصرفت تجرّ أذيال الخيبة.

وأقام النبي - صلى الله عليه وسلم -في الغار ثلاث ليالٍ، وكان عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما يأتي كل يوم ليبلغهما أخبار قريش، و عامر بن فهيرة يأتي بالأغنام

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٧٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٧٧٧