وأهل الحَلَقَة - السلاح - ورثناها كابراً عن كابر، فاعترض قول البراء وهو يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال - يعني اليهود - حبالاً وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً منهم تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ... وكان أول من أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم تتابع القوم - يعني على المبايعة -، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا إلى رحالكم، قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أؤمر بذلك، فرجعنا فنمنا حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش - أي عظماؤها - حتى جاؤنا في منازلنا، فقالوا يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم، فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منا).
هذه هي بيعة العقبة وتلك هي أحداثها، تكاد تتفجر بأمثلة الشجاعة والبطولة، ولو ذهبنا نتأمل بعض المواقف فيها لأصابنا العجب من عظمتها وجلالتها، ولنبدأ بموقف النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف عرض دعوته بكلمات موجزة صافية صريحة من غير لبس أو غموض، ومن غير أن يقدم على قبولها أي عرض دنيوي، فلم يعدهم بملك أو سلطان، أو حتى مال يخفف به عنهم ضخامة الحمل الذي سيحملونه، بل ربطهم بالآخرة عندما سألوه ما لنا؟ قال: الجنة - كما في رواية ابن إسحاق -، حتى يتحقق فيهم كمال التجرد في قبول هذه الدعوة، وتحمل تبعاتها، وفهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الدرس جيداً، وأن في قبولهم هذه الدعوة معاداة العرب والعجم، وسخط الأحمر والأسود من الناس، وقطع علائقهم، وعلاقاتهم، ومع ذلك أقدموا - وهنا تتجلى البطولة في الثبات على المبادئ - رغم عظم الضريبة التي سيدفعونها -، فقبلوا هذه البيعة لله عز وجل صافية نقية، فلله درها من بيعة، ولله درهم من رجال.
============
الهجرة من مكة إلى المدينة
أصبح كفار مكة في غيظ شديد، بعدما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنصار في يثرب، وهم أهل حرب يجيدون القتال، وسوف ينصرون
الإسلام، فشعر كفار مكة أن الأمر سيخرج من أيديهم، فانقضوا على المسلمين بالتعذيب والأذى، والتف المسلمون حول نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم يطلبون منه الإذن في ترك مكة كلها، ويهاجرون بدينهم، حتى يستطيعوا أن يعبدوا الله تعالى