الحكمة الربانية والتدبير الإلهي لهذا الدين في أن يكون الذين يستجيبون للرسول - صلى الله عليه وسلم- ويدافعون عنه وعن دينه، من خارج قريش، ومن غير أهله وعشيرته، من أجل أن تقطع كل الشكوك حول طبيعة هذا الدعوة الجديدة ومصدرها وأهدافها، ولئلا يقع أي التباس بينها وبين غيرها من الدعوات والمطامع الدنيوية.
ومن الدلالات أيضاً: أهمية وجود أرضية خصبة، وسند قوي يحمي الدعوة ويحوطها، ويحفظها من أن توأد في مهدها، ولذا كان - صلى الله عليه وسلم- حريصاً على البحث عن قبيلة تسمح بنشر الدعوة بين ظهرانيها، وتعلن حمايتها لها، لأن الذين آمنوا به في مكة كانوا غرباء بين أقوامهم، وكانوا نُزَّاعًا متفرقين في القبائل، فكانوا بحاجة إلى ملاذ يفيؤون إليه، وقبيلة تدفع عنهم وتحميهم، وتمكنهم من نشر رسالتهم في العالمين، وهو ما فعله - صلى الله عليه وسلم-.
ومن دلالات هذه البيعة ودروسها أن اختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم- للمدينة وأهلها، لحمل الرسالة، ونيل شرف النصرة، لم يكن اعتباطاً، وإنما وقع الاختيار عليها لأن المدينة كانت تعيش ظروفًا خاصة رشحتها لاحتضان دعوة الإسلام، فقد كان التطاحن والتشاحن بين الأوس والخزرج على أشده حتى قامت بينهم الحروب الطاحنة، التي أنهكت قواهم، وأوهنت عزائمهم، كيوم بعاث وغيره، مما جعلهم يتطلعون إلى أي دعوة جديدة تكون سببًا لوضع الحروب والمشاكل فيما بينهم، ويمكن أن نلحظ ذلك من خلال قول أولئك النفر الستة: " إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ".
كما أن هذا الحروب كانت قد أفنت كبار زعمائهم وقادتهم، ممن كان نظراؤهم في مكة والطائف وغيرهما حجر عثرة في سبيل الدعوة، ولم يبق إلا القيادات الجديدة الشابة المستعدة لقبول الحق، أضف إلى ذلك عدم وجود قيادة بارزة معروفة يتواضع الجميع على التسليم لها، فكانوا بحاجة إلى من يأتلفون عليه، ويلتئم شملهم تحت ظله.
ومن المعروف أن اليهود كانوا يسكنون المدينة مما جعل الأوس والخزرج على اطلاع بأمر الرسالات السماوية– بحكم الجوار-، فكانوا اليهود يهددونهم بنبي قد أظل زمانه، ويزعمون أنهم سيتبعونه، ويقتلونهم به قتل عاد وإرم، ولذا فبمجرد أن وصلت الدعوة إليهم، قال بعضهم لبعض: " تعلمون والله يا قوم، إنه للنبى الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه ".
ومن الدلالات أيضاً: أهمية معرفة الداعية والمربي لخصائص الناس وشخصياتهم، ومن يصلح منهم لهذه المهمة أو تلك، ندرك ذلك من خلال حسن اختياره - صلى الله عليه وسلم- لمصعب بن عمير للقيام بمهمة الدعوة، ونشر الإسلام في المدينة، لما كان يمتاز به رضي الله عنه - بجانب حفظه لما نزل من القرآن - من لباقة، وهدوء، وحكمة وحسن خلق، فضلاً عن قوة إيمانه، وشدة حماسه للدين، ولذلك نجح أيما نجاح في دعوته، واستطاع أن يتخطى الصعاب والعقبات الكثيرة التي واجهته باعتباره أولاً نازحاً وغريباً، وثانياً يحمل رسالة جديدة تخالف ما عليه الناس،