فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم
تُرمى وتُؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبَّار ومنتقم
حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلا الجزور بكف المشرك القزم
أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم
غدت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم
إنها أحداث تهز الكيان البشري، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الضعفاء، أما من قوي إيمانه بالله ويقينه بوعده ونصره، فلا تزيده هذه الأحداث إلا تصميماً وعزماً على مواصلة الطريق، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم.
وعلى الرغم من المحنة التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم بشؤون أصحابه، ويقف إلى جوارهم ويواسيهم، ففي شوال من العام نفسه تزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعه، وذلك حين خشي عليها من بطش قومها بعد وفاة زوجها، وهي أول زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها.
لقد علمتنا تلك الأحداث دروساً عديدة، فمنها أن الله سبحانه وتعالى يسخر للمؤمن من يحمي دعوته، وحياته من الأذى.
ومنها أن الزوجة الصالحة والمؤمنة لها أثر في نجاح الدعوة وانتصارها، وموقف السيدة خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في ذلك. أ
ومنها أن أحداث عام الحزن بما فيها من ألم ومرارة، كان لها الأثر البالغ في قلوب الأتباع، حيث غرست في قلوبهم قوة الإيمان بالله جل وعلا، والصبر على مر القضاء والقدر، والالتجاء إلى رب الأرض والسماء.
================
خروج النبي للطائف طلباً للنصرة
(الشبكة الإسلامية)
تكالبت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم وزادت عليه همومه وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب في عام واحد، فخديجة كانت خير ناصر ومعين له -بعد الله تعالى-، وعمه كان يحوطه ويحميه، ويحبه أشد الحب، وضاعف من حزنه صلى الله عليه وسلم أنه مات كافراً.
وتستغل قريش غياب أبي طالب فتزيد من إيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم وتضيَّق عليه، وكان أبو لهب من أكثر الناس كراهية للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم، حتى إنه كان يلاحق النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج، وفي الأسواق يرميه بالحجارة ويقول: " إنه صابئ كذاب "، ويحذر الناس من اتباعه، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الحال، حتى فكر في أن يتخذ أسلوبا آخر في دعوته بتغيير المكان، علَّه أن يجد قبولاً، فاختار الخروج للطائف، التي كانت تمثل مركزاً مهماً لسادات قريش وأهلها، ومكانا استراتيجيا لهم، حيث كانوا يملكون فيها الأراضي والدور، وكانت راحة لهم في الصيف.