عام الحزن
(الشبكة الإسلامية)
بعد أحداث المقاطعة الاقتصادية والحصار الذي قام به المشركون ضد المسلمين، وبعد نقض تلك الصحيفة الجائرة، انطلق المسلمون من الشِعب يستأنفون نشاطهم الدعوي، بعدما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الجسام، وما أن تنفَّس المسلمون من الشدة التي لاقوها، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب بمصيبتين عظيمتين هما: وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ووفاة عمه أبي طالب.
لقد كان لوفاة خديجة رضي الله عنها وقعه الشديد على النبي صلى الله عليه وسلم، فهي التي آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته أفراحه وأتراحه، وواسته بنفسها ومالها، ووقفت بجنبه ساعة الشدة، وظلت ربع قرن من الزمان تتحمل معه كيد الخصوم، وآلام الحصار، ومتاعب الدعوة، ولذلك كان موتها من أكبر المصائب التي مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى حزن عليها أشد الحزن وظل يذكرها بالخير طول حياته، ويبين للناس فضلها وإحسانها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت فغِرْتُ يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء) رواه أحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ) رواه البخاري.
وفي نفس العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها توفي عمه أبو طالب، وكان موته مصيبة أخرى أضيفت إلى المصائب والأحزان التي ألمَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أبو طالب الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء مع بقائه على ملة قومه.
فقد ظل أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ويغضب له، ولم تستطع قريش أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد موت أبي طالب، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب).
والذي ضاعف حزن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه أبا طالب مات كافراً، ومع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايته ودعوته للإسلام، إلا أن سنة الله في خلقه لا تتبدل ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ (سورة القصص:56).
ولتوالي هذه الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام واحد عرف ذلك العام العاشر من البعثة، عند أهل السير بعام الحزن، وقد قال بعضهم مصوراً الحال بعد وفاة خديجة رضي الله عنه، وأبي طالب: