رأت قريش أن عدد الداخلين في الإسلام قد ازداد، وأن شوكة الإسلام قد قويت بعد إسلام عمر وحمزة، بدأت في التفكير في أسلوب جديد وطريقة أخرى للقضاء على هذه العصبة المؤمنة.
فمن طرق الحرب التي سلكها المشركون ضد المسلمين، الحصار الاقتصادي، فقد تمخض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبرُ المسلمين ومن يرضى بدينهم، أو يعطف عليهم، أو يحمى أحداً منهم، حزباً واحداً دون سائر الناس، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهد وميثاق " أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ".
وعلقت هذه الصحيفة في الكعبة لتأخذ بنودها طابع القداسة، وأنه يجب التقيد والالتزام بها، فالعرب قاطبة تقدس الكعبة، لذا عمدت قريش إلى تعليق الصحيفة داخل الكعبة.
وقد فعلوا ذلك في الوقت الذي كانت فيه العرب عامة وقريش خاصة تتغنى بالكرم والجود والبذل والعطاء، وتعتبر هذه الخصلة من مواطن الفخر والمنافسة والسباق، ولكن لماَّ تمكن الحقد من قلوبهم، وسرى الغل في نفوسهم، نسوا كل هذه المعاني التي تعارفوا عليها، وأصبح الذين يطعمون الضيفان، ويلتمسون المحتاجين، يبخلون بالحقوق على قرابتهم وجيرانهم، فقطعوا الأرحام وأجاعوا الأطفال والنساء، ونُزعت من صدورهم كل معاني الإنسانية.
فاضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى الاحتباس في شِعب بني هاشم، وانحاز إليهم بنو المطلب كافرهم ومسلمهم عدا أبا لهب، فقد انحاز لقريش في خصومتها لقومه. وضيَّق المشركون الخناق على المسلمين، وقطعوا عنهم المؤن، ونفد الطعام حتى بلغ بهم الجهد والتعب أقصاه، وسُمع بكاء أطفالهم من وراء الشعب، حتى رثى لحالهم بعض خصومهم.
وكان الصحابة المحاصرونَ إذا جاءت عير إلى مكة، يأتي أحدهم السوق ليشتري قوتاً لعياله، فيقول أبو لهب للتجَّار: يا معشر التجَّار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيد التجَّار عليهم في قيمة السلعة أضعافاً مضاعفة، فيرجع أحدهم إلى أطفاله من غير شيء، وهم يصرخون من الجوع، قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة -أي صوتاً- تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ورضضتها بالماء، فتقويت بها ثلاثة أيام". وهذا يدل على مدى الشدة والحال التي وصلوا إليها بسبب ذلك الحصار.
وفي أيام الحصار، وفي تلك الحال، كان المسلمون يخرجون للقاء الناس في موسم الحج لدعوتهم إلى الإسلام، فلم تشغلهم آلامهم وما هم فيه عن تبليغ دعوتهم وعرضها على كل وفد يأتي إلى مكة، فإن الاضطهاد لا يقتل دعوة الحق، بل يزيد جذورها عمقاً وفروعها امتداداً.
وقد كسب الإسلام -خلال فترة الحصار- أنصاراً كُثُر، وكسب - إلى جانب ذلك - أن المشركين قد بدؤوا ينقسمون على أنفسهم، ويتساءلون عن صواب ما فعلوا، حتى