تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالهجرة النبوية التي تتجدد كل عام هي هجرة للخصومة والشعوبية والتفرقة والظلم الذي اتصف فيه الإنسان على مدى التاريخ إلى رحاب دين التوحيد والرحمة التي اتصف بها المسلمون بعد ذلك ومن مقدمتهم العرب، هذه الهجرة المحمدية بما تحمل من معانٍ إيمانية غيرت الفكر والسلوك للإنسان العربي فجعلت من عمر ابن الخطاب الذي كاد أن يئد ابنته وهي حية في التراب أن يرضخ أمام جموع المؤمنين وهو أميرهم لقول امرأةٍ صححت له مقولته فقال "أصابت امرأة وأخطأ عمر"·

والهجرة النبوية هذه هي التي جعلت أمير المؤمنين عمر يبكي، قيل وما يبكيك يا أمير المؤمنين وأنت الذي حكمت فعدلت فأمنت، قال: "والله لو أن شاة تعثرت في العراق لخفت أن يسألني الله عنها يوم القيامة"·

فكم من المؤمنين والمؤمنات ولا أقول الشياه (الأغنام)، جاعت وظلمت واعتدي عليها ومزقت أجسادها في العراق وفلسطين وبلاد العرب والمسلمين فكيف سيلقون ربهم من بيدهم الأمور والحكم والثروة والسلطة في بلاد العرب والإسلام؟

في ذكرى الهجرة النبوية نتذكر هذه المفاهيم الإنسانية التي حملها الإسلام وآمن بها أتباعه حكاماً ومحكومين فكانت مكان اعجاب واحترام المؤرخين والمفكرين في المجتمع الإنساني اعجاباً وتقديراً لهذا الدين ورسالته السامية من هنا كان قول المؤرخ توينبي (أن عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام هي من أروع الأمثلة في فكرة توحيد العالم وأن بقاء الإسلام أمل العالم كله، وشعيرة الحج تعد عاملاً قوياً في تطبيق مبدأ توحيد العالم وما يربط المسلمين بعضهم ببعض دون تفرقة لونية أو عنصرية هي رمز للإخاء الإنساني·

ونحن نحتفل كل عام ببداية العام الهجري بعد مرور ما يزيد على الخمسة عشر قرناً، نشعر في لبنان وفي دنيا العرب والإسلام بأننا نعيش في غربة عن الإسلام وعن الهجرة النبوية بمعانيها ونتائجها وأسبابها وما ترمز إليه، فما أشبه هذه الأيام المتشحة بالسواد والفرقة والظلم والطغيان والاستعباد والاحتلال لبلاد العرب والإسلام، بتلك الأيام التي وجد الإنسان فيها نفسه في الجزيرة وما حولها وفي حواضر العالم آن ذاك، قبل الهجرة النبوية فريسة لجبروت القوى العظمى وعبودية المادة والعولمة المتصهينة، فلتتجدد الهجرة النبوية في سلوك المسلمين وقلوبهم في لبنان ليصيغوا وحدة وطنية في لبنان وفي كل قطر عربي وإسلامي، فنهجر عقدة الأنا والخصومة والتباعد بين أبناء الأسرة الواحدة والوطن الواحد والأمة الواحدة لمجابهة الوحوش المفترسة لشعوبنا وثرواتنا ومستقبل وجودنا في هذا الشرق الجريح·

إن عصر النبوة والمعجزات قد انتهى لكن الشيئ الذي لم ولن ينتهي هي رسالة الإسلام ومعاني الهجرة النبوية التي تتجدد زمناً كل عام، فهل تتجدد معنى وسلوكاً ومصلحة لنكون خير أمة أخرجت للناس، فأين الخيرية في هذا الوطن وفي هذا العالم الإسلامي؟! وأين دماء الشهداء وجهاد القادة الذين بنوا وطناً وأمة؟! وأين دورنا ورسالتنا في هذا العالم هل نحن طليعة من طلائعه؟ أم غثاء كغثاء السيل؟ هل نحن كالريشة المعلقة في الهواء تحركها الأطماع والمصالح ام صنّاع الحياة لأوطاننا وأمتنا؟

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٦٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٦٨٣