تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صرّحوا بأنّ هناك إمكانية لوقوع الباحث في الخطأ، وبينوا أنّ أسبابه قد تعود إلى الموضوع أو قصور الأدوات المستخدمة أو الذات الفاعلة، وقد طبقوه بنجاح في فروع العلم التجريبي.

وصحيح أنّ هذا المنهج له جذور في التراث السابق، لكن، يعود الفضل إلى العرب المسلمين في إعادة الاعتبار إليه. وقد ركزوا بصورة خاصة على:

أ- أن التجربة هي المعيار الذي نلجأ إليه لحسم صدق القضايا العلمية الاختبارية، وقد أطلقوا عليها ألفاظاً مختلفة، مثل: الاعتبار أو الامتحان عند ابن الهيثم أو التدبير كما هو الحال عند جابر بن حيان، ولم يكتف العلماء العرب المسلمون بالتجربة الواحدة، وإنما ذهبوا إلى ضرورة التكرار بغية المزيد من التحوط في الحكم، وما أثبته التجربة عندهم يرتقي إلى مستوى القانون العام وفي علم الفلك لعبت الملاحظة العلمية دوراً حاسماً في غياب إمكانية التجارب الدقيقة، ودعموا ذلك بأجهزة كثيرة تحسن أدوات الملاحظة.

ب- استخدم العلماء العرب المسلمون الأدوات والآلات المختلفة في تجاربهم وكانوا حريصين على تقديم وصف نظري لها، ولطرق عملها، وتطويرها، باستمرار ومن هنا نجد التقدم الكبير الذي شهده علم الفلك بدءاً من مرصد المأمون إلى مرصد أولوغ بك وهذا ما نجده مع ابن الهيثم في البصريات، أو مع أدوات الجراحة عند الزهراوي.

جـ- واهتموا في ضوء ذلك بوحدات القياس للأوزان والأطوال والمساحات، وقد تطورت صناعة الموازين لديهم بصورة ملفتة للنظر، والشاهد على ذلك، ميزان الحكمة عند الخازن.

د- ولم يكتفوا هؤلاء بهذه القضايا، وإنما طوروا جهازاً من المفاهيم على مستوى نظرية العلم، وبخاصة قضية الموضوعية، أو العدل بلغة ابن الهيثم. فقد اعتقدوا أنّ هدفهم هو بلوغ الحقيقة، ومن هنا، فقد دعوا إلى نبذ الاعتبارات الذاتية والهوى والانفعالات، والتهويمات والطقوس السحرية، وأكدوا ضرورة عدم الخضوع للسلطة المعرفية السائدة .. ومن هنا جاء نقدهم لبطليموس وإقليدس وأرسطو وغيرهم، فالحجة في آخر الأمر على البرهان والدليل بغض النظر عن القائل.

تبنى العلماء العرب المسلمون نظرة إلى العلم مخالفة تماماً للرؤية اليونانية التي كانت تفصل بين النظر والعمل، فأكدوا على هذا الجانب حتى في الرياضيات، فقد كانت الغايات العملية هي الهدف الأخير للعلم، وبهذا يكونوا قد تبنوا معظم شروط العقلانية العلمية المعاصرة، فقد نادوا بالموضوعية في العلم، ودعوا إلى تكامل الحس والعقل في الإنتاج العلمي.

لم يجد العلماء العرب المسلمون تناقضاً بين العلم وبين الإيمان بالوجود الإلهي، بل اعتبروا أنّ نتائج العلم تشهد بشكل أو بآخر للحكمة الإلهية، وهذا لا يقل من عقلانيتهم العلمية إذ ليس من شروط العقلانية العلمية إنكار وجود الله ورفض الدين، فهؤلاء العلماء بإجماع لم تكن مرجعيتهم دينية [فقط]، بمعنى أنّ العلم [الإنساني] ليس نتاجاً للفعل الإلهي، وإنما هو فعل للعقل الإنساني، وهو قابل للتعديل والتطوير، وهناك إمكانية متاحة لتصحيح الخطأ، والافتراضات يمكن التحقق من صدقها أو كذبها،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٨٨