انكماش العالم، وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش" (1). ويضع السيد ياسين ثلاثة عمليات تكشف حقيقة العولمة: العملية الأولى تتعلق بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس، والثانية تتعلق بتذويب الحدود بين الدول، أما العملية الثالثة فهي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات (2).
أما الثقافة، فبصرف النظر عن عشرات التعاريف التي وضعت لها والتي تنطلق من مرجعيات فكرية وإيديولوجية تحاول تغليب مفهومها للثقافة، فيمكن تعريفها بإيجاز بأنها مجموعة العقائد والأفكار والطقوس والعادات والتقاليد التي تميز شعبا عن شعب آخر، وترجع إلى جذور دينية أو إثنية أو علمانية، الأمر الذي يعطي لجماعة بشرية أو مجتمع معين خصوصية معينة ثابتة ومستقلة عن خصوصيات الشعوب والجماعات الأخرى، وهذه الخصوصية الثقافية تزداد أهميتها إذا نظرنا إليها بوصفها " نتاجا تاريخيا يحمل عبر الزمن تصورات وآراء ومعتقدات، وأيضا طرائق في التفكير وأساليب في الاستدلال قد لا تخلو هي الأخرى من خصوصية" (3).
ويقدم المرحوم مالك بن نبي تعريفا أكثر دقة للثقافة، إذ يقول: "إن الثقافة هي الجو المشتمل على أشياء ظاهرة، مثل الأوزان والألحان والحركات، وعلى أشياء باطنة كالأذواق والعادات والتقاليد، بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر". ويرى ابن نبي: "أن الثقافة لا يمكن أن تقوم من دون المبدأ الأخلاقي الذي يحدد العلاقة بين الأشخاص مع بعضهم، وبينهم وبين عالم الأشياء والمفاهيم" (4). فالثقافة إذن ليست مجرد الأفكار والسلوكيات والعقائد والعادات، بل هي إشعاع أخلاقي ونفسي يلقي بظلاله على الكون والحياة والمجتمع.
ثقافة بلا مبدأ أخلاقي
لا يخفى أن العولمة على مستوى الثقافة والإعلام والقيم الحضارية أصبحت الآن تتقدم زاحفة بوتيرة سريعة. فالعولمة الثقافية تبشر اليوم بتقارب الثقافات والخصوصيات والهويات واحتكاكها، تذوب معها الفوارق بين الثقافات، وتضمحل الحدود والأسوار، لكن مآل هذا التقارب والاحتكاك الثقافي ما زال حتى الآن غامضا وغير معروف، وإن كانت مقدماته حاضرة في حياتنا اليومية عبر وسائل الإعلام الناقلة للقيم الوافدة والثقافات الأخرى، وأبرزها الثقافة الغربية المادية والعلمانية التي تمجد قيم الاستهلاك والربح والأنانية والكسب السريع.
وقد أوحى هذا التقارب بين الثقافات للغرب بالمخاطر التي يمكن أن تسفر عنها العولمة الثقافية، وبالتخوف من الإسلام والثقافة الإسلامية، فظهرت مقولة "صدام الحضارات" للباحث الأمريكي صامويل هانتنغتون، التي يتحدث فيها عن المخاطر الكامنة في الثقافات الأخرى - ومنها الإسلامية - على الثقافة والحضارة الأنجلوسكسونية الغربية المسيحية، وهذا يعني أمرا واحدا ينبغي علينا نحن المسلمين أن نفقهه، وهو أن الغرب الذي سبق إلى التبشير بالعولمة وكأنه الرابح الوحيد منها، هو نفسه المتخوف على ثقافته وحضارته. إن العولمة الثقافية ستفتح الباب أمام المنافسة الحضارية والثقافية بين الثقافات، من أجل الهيمنة والغلبة على الثقافات