تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذ قالت في كتابها: " لقد وجدت اللغة العربية تجاوباً من الجماعات، وامتزجت بهم وطبعتهم بطابعها، وكونت تفكيرهم ومداركهم وشكلت قيمهم وثقافتهم، وطبعت حياتهم المادية والعقلية، فأعطت للأجناس المختلفة في القارات الثلاث وجهاً واحداً مميزاً، حتى السلاجقة والأتراك والمماليك والتتار عندما وصلوا إلى الحكم ظلوا بقلوبهم رعايا مخلصين للثقافة العربية وللغتها، بل ولأساليب الحياة العربية وفكرها، حقاً إن قدرة هذه العقلية العربية على طبع الشعوب لرائعة".

الاستشراق والاستغراب

وأكدت د. نجاح أحمد أنه كي نفهم الاستشراق لابد من فهم المصطلح المقابل له وهو الاستغراب، أي علينا فهم العلاقة التاريخية بين الشرق و الغرب، المرتبطة بدورها بجدلية الداخل والخارج من حيث حجم القوة، فقالت: " طوال العصور القديمة والوسطى كان العرب القدماء أصحاب النظام العالمي، المتميز عن النظام الغربي الحالي بأنه كان إعمارياً، فأينما ذهب العرب شيدوا حضارة كاملة أكثر ما تجلت في الإعمار والبناء، وفي تعليم الزراعة والحرف والتجارة وقدموا الأبجدية التي هي نتاج حضارة متكاملة، وكانوا بحق أصحاب رسالة، وليس عبثاً ما يقال بأن مصر أم الدنيا، وسورية مهد الحضارات، والعراق الأصل البشري والحضاري، ومكة المكرمة مركز الكون.

شُكل النظام العالمي القديم من ثلاثي مصري ـ سوري ـ عراقي، هذا المثلث الحضاري كان المسيطر اقتصادياً وثقافياً وحضارياً، فعلم الحضارة للعالم في العصور القديمة والعصور الوسطى، ثم جاءت الدولة الإسلامية مؤلفة من المثلث نفسه إضافة إلى شبة جزيرة العرب، وأصبح هنالك نظام عالمي إسلامي مسيطر على العالم شرقاً وغرباً، يقوم على أساس جدلية الداخل والخارج، حيث كان الداخل العربي قوياً سياسياً واقتصادياً، فأعطى العالم من إشعاع حضارته ونورها أكثر مما أخذ، وأثر فيه أكثر مما تأثر به، وانعكس ذلك على علاقة الاستشراق والاستغراب في العصور القديمة والوسطى، فكان الشرق هو المعطي والغرب هو المتأثر بحضارتنا، هذا لا يعني نفي مساهمة كل شعوب العالم في الحضارة، ولكن عندما نأخذ المعطيات ونجري المقارنة نجد أن العرب كانوا أصحاب اليد الأولى في هذه الحضارة والتيار المعتدل والموضوعي، يقول إن أصل النهضة الأوربية هي من المنطقة العربية، لكن في الفترة التالية حصلت متغيرات عالمية انتقل من بعدها مشعل الحضارة والنظام العالمي من العرب إلى أوربا. بعد أن قطع الأسبان والبرتغال الاحتكار العربي للطرق الاقتصادية العالمية بين الشرق والغرب، بمعرفتهم طريق رأس الرجاء الصالح عام 1488 واستعانتهم بابن ماجد للوصول إلى الهند، وكان ذلك بعد عشر سنوات، .. ثم جاء الاحتلال العثماني الذي هز الاقتصاد العربي في حين كان الغرب يعيش الثورة الصناعية والتقنية، وبالتالي أصبح الداخل العربي ضعيفا ومهلهلا، في حين كان الخارج الغربي يملك القوة، والأقوى يعطي أكثر مما يأخذ، فأصبح العرب متلقين للحضارة ومنفعلين غير فاعلين، وتعرضوا لهجمات تشوه حضارتهم وبعيدة عن مبادئهم، وأصابهم الإحساس

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٤٩