تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأيًّا، وليس ينكر السواد فينا، فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة، فقال عبادة - وقد رأى فزع المقوقس من السواد -: إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سواداً مني.

ألا ترى إلى هذه الحضارة ما أروعها وأسمى إنسانيتها؟ لقد كان الناس جميعاً - حتى المتحضرون في القرن العشرين - يرون السواد منقصة، وكانوا لا يرون الأسود أهلاً لأن يكون في عداد البيض، فكيف يتقدمهم ويقودهم ويفضلهم في الرأي والعلم؟ فجاءت حضارتنا تحطم هذه المقاييس، وتسفه هذه الآراء، وتقدم الأسود على الأبيض حين يقدمه علمه ورأيه وشجاعته.

وليس عبادة بن الصامت إلا واحداً من هؤلاء السود الذين رفعتهم حضارتنا إلى مرتبة القيادة والزعامة.

وكان عبد الملك بن مروان يأمر المنادي في موسم الحج أن لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة وعالمها وفقيهها، أتدرون كيف كان عطاء هذا؟ لقد كان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، مفلفل الشعر .. وكان إذا جلس في حلقته العلمية بين الآلاف من تلاميذه بدا كأنه غراب أسود في حقل من القطن! هذا الأسود الأعور الأفطس الأعرج جعلته حضارتنا إماماً يرجع إليه الناس في الفتوى، ومدرسة يتخرج على يده الألوف من البيض، وهو عندهم محل الإكبار والحب والتقدير.

ولقد كان في حضارتنا المجلون في كل ميادين العلم والأدب، وهم سود البشرة لم يمنعهم سوادهم أن يكونوا أدباء ينادمون الخلفاء كنصيب الشاعر، ولا فقهاء يؤلفون المراجع المعتبرة في الفقه الإسلامي كعثمان بن علي الزيلعي شارح الكنز في الفقه الحنفي، والحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي (762هـ) مؤلف الراية، وكلاهما أسودان من زيلع من بلاد الحبشة.

وليس من أبناء العربية من يجهل كافوراً الأخشيدي العبد الأسود وقد حكم مصر في القرن الرابع الهجري، وهو الذي خلده المتنبي في مدحه وهجائه.

وقصارى القول إن حضارتنا لم تعرف هذا التمييز العنصري بين البيض والسود، ولم يكن فيها مجتمعات خاصة للسود لا يساكنهم فيها أبيض، ولا اضطهاد خاص بهم يجعلهم محل نقمة البيض وازدرائهم، وإنما كانت حضارتنا إنسانية تنظر إلى الناس جميعاً بمنظار الحق والخير، ولا ترى البياض والسواد إلا بياض الأعمال وسوادها (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [الزلزلة:7، 8].

ولقد كان مثل هذا القول يبدو غريباً منذ خمسين سنة، فمن بدهيات الأمور أن الفريق بين البيض والسود عمل همجي لا تلجأ إليه حضارة راقية، وأن حضارتنا لم يكن منها أن تفعل ذلك وهي أشهر حضارة عرفت بنشر الإخاء والمساواة بين الناس، ولكننا منذ قيام هيئة الأمم وإعلان ميثاق حقوق الإنسان، نجد أنفسنا في حاجة إلى

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٤٥