تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قام هؤلاء المفكرون الغيورون على الإسلام آنذاك بعرض مجموعة من الأدلة الدالة على أن كلامهم حق، وأن الإسلام دين به نفس المميزات التي تحفل بها الحضارة الغربية، وذلك من دون محاولة البحث في أصول الذات؛ إذ ربما يكون لديها ما يفوق في قيمته ما أنتجته الحضارة الغربية.

وكان دافع أولئك المفكرين والساسة المسلمين إدراكهم ضرورة التحرك السريع للخروج بوثيقة إسلامية تحفظ ماء وجه الحضارة الإسلامية في مواجهة التقدم الفكري السياسي الغربي، حتى لو كانت وثيقة شوهاء. وكان المنتج الإسلامي الكامن في ذلك الوقت يفوق في قيمته وفي نفاسته ما أنتجته الحضارة الغربية بالفعل. فما هي قصة ذلك التميز وتلك النفاسة؟

مفهوم حقوق الإنسان .. الطبعة الغربية:

مفهوم حقوق الإنسان كما يرى الباحثون والمفكرون مفهوم شائع الاستخدام في أدبيات الفكر والخطاب السياسيين المعاصرين، وهو أيضًا من المفاهيم الحديثة نسبيًا، التي لا يمكن اقتفاء أثرها بعيدًا في أدبيات الفكر السياسي.

فالمفهوم في الفكر السياسي الغربي لم يتم صكه كمصطلح إلا مع ظهور عدد من الوثائق السياسية المحددة التي حملت هذا الاسم بهذه الدرجة من الوضوح، مثل: إعلان حقوق الإنسان بالولايات المتحدة المعروف باسم "إعلان فيرجينيا" الصادر عام 1776، وإعلان الثورة الفرنسية الصادر في عام 1790، وانتهاءً بإعلان الأمم المتحدة الصادر في عام 1947، والمسمى "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".

لذا فمن الصعب حين نتعامل مع مثل هذا المفهوم أن نقتفي له أثرًا متغلغلاً في قلب جذور الفكر الإنساني الغربي. فالحضارة اليونانية القديمة - وهي أصل الحضارة الغربية - كما يرى الباحثون لم تصك مفهوم الحق، ولم تضع لفظًا لغويًا يقابله. ولم تبدأ مفردة الحق في التداول بالصورة التي نعرفها اليوم إلا بعد أن أصلتها الحضارة الإسلامية، فمنذ مهدها الأول تكلم بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن حقوق الله على العباد وحقوق العباد على الله وحق الزوجين كل على الآخر، بل هناك ذلك الحديث الذي صدَّق فيه النبي صلى الله عليه وسلم على قول سلمان، "آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان" (رواه البخاري).

ثم بدأ المفهوم يشق طريقه إلى حيز الاستخدام في أوروبا في العصور الوسطى، وقد أرخ المفكرون لذلك مع استخدام القس توماس الإكويني له في الحديث عن مفهوم حق الملكية، والتي تناولها باعتبارها حقا تترتب عليه مسؤولية اجتماعية، وهي فكرة

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٣٥