إيحاء وتحفز للقيام بإنشاء مجموعة من المدارس وليست مدرسة واحدة لتشارك المجاهدين في حربهم ضد المبتدعين بنفس السلاح [6].
لقد تسربت الباطنية في سوريا وفارس والعراق وأخذت بفضل إغراء الدعاة وإثارتهم فطاف – ناصر خسرو – ومن بعده – حسن الصّباح – يدعوان للمذهب الباطني الإسماعيلي الشيعي الرافضي، وقام إبراهيم ينال – ثم البساسيري في الموصل وبغداد بثورتين عنيفتين كادت تقضيان على الخلفاء السلاجقة جميعاً، وكان لدار الحكمة والأزهر اللذين أسسهما الفاطميون في القرن العاشر الهجري بالقاهرة الفضل الأكبر في بث مبادئ التشيع الإسماعيلي ونشر الحكم الفاطمي [7]، ولم يكن إيقاف حركة الباطنية هذه فضلاً عن القضاء عليها بالأمر الهيّن، جذورها قد تغلغلت في جسم البلد الإسلامي الكبير بحيث لم يبق عضو منه سليماً وبخاصة إقليم خراسان فإنه كان موطن المغذَّين لها بالآراء الفلسفية والبراهين المنطقية إن لم يكن من المؤسسين لها، .. وقد اتخذ هؤلاء وتسيلتهم الإقناع والحجة عن طريق الحوار والمناقشة [8].
لقد بدأ التفكير الفعلي في إنشاء هذه المدارس النظامية للوقوف أمام المد الشيعي الإمامي والإسماعيلي الباطني عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة في عام 455هـ، فقد استوزر هذا السلطان رجلاً قديراً وسنياً متحمساً هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بنظام الملك، فرأى هذا الوزير أن الاقتصار على مقاومة الشيعة الإمامية والإسماعيلية الباطنية سياسياً لن يكتب له النجاح إلا إذا وازى هذه المقاومة السياسية مقاومة فكرية، ذلك أن الشيعة! إمامية كانوا أو إسماعيلية نشطوا في هذه الفترة وما قبلها إلى الدعوة لمذهبهم بوسائل فكرية متعددة، وهذا النشاط الفكري ما كان ينجح في مقاومته إلا نشاط سني مماثل يتصدى له بالحجة والبرهان، خاصة وأن السلاجقة ورثوا في فارس والعراق نفوذ بني بويه الشيعيين، وهؤلاء لم يألوا جهداً في تشجيع الإمامية على نشر فكرهم، كما غضوا الطرف عن نشاط دعاة الإسماعيلية في فارس والعراق وترتب على ذلك كله تزايد نفوذ الشيعة فيهما، خاصة بعد أن لجأ الشيعة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية تتولى الترويج لعقائدهم، وتعمل على نشرها، فقد أنشاء أبو علي بن سِوّار الكاتب أحد رجال عضد الدولة ت 372هـ دار كتب في مدينة البصرة وأخرى في مدينة رام هرمز: وجعل فيها إجراء على من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ وكان في الأولى منهما شيخ يدرس عليه علم الكلام على مذهب المعتزلة [9]، كما أسس أبو نصر: سابور بن أرد شير: وزير بهاء الدولة ت 416هـ داراً للعمل في الكرخ فيعام 383هـ، ووقف فيها كتب كثيرة، ذكر ابن الأثير أنها بلغت عشرة آلاف وأربعمائة مجلد في أصناف العلوم، وأسند النظر في أمرها ورعايتها إلى رجلين من العلويين يعاونهما أحد القضاة [10]، وبعد وفاة سابور آلت مراعاة هذه الدار إلى الشريف الرضى نقيب الطالبيين [11] كذلك اتخذ الشريف الرضي ت 406هـ الشاعر الإمامي المشهور دار اسماها دار العلم، وفتحها لطلاب العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه [12]. ويدل مجرد اسم هذه المؤسسات على الفرق بينهما وبين دور الكتب القديمة، فكانت دار الكتب تسمى قديماً خزانة الحكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، أمام المؤسسات الجديدة فتسمى دور