تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بلاد الشمال الإفريقي (والأندلسي سابقًا) وجدت ومازالت محاولات تدميرية للإيقاع بين عنصري العرب والبربر الذين يرجعان في الحقيقة إلى أصل عربي واحد، وقد التحما معًا في فتح الأندلس ونشر الإسلام في العالم.

ومن البديهي أن العنصر البربري بكل خلفيته الثقافية يمثل واحدًا من أبرز المكونات الثقافية للمغرب العربي الإسلامي - ومن العبث بل من الأنانية القومية - إنكار دوره الحضاري الأساسي عبر عدد متطاول من القرون!!

على أنه لا يمكن – مع وجود هذا العنصر – إهمال المكونات الثقافية العربية التي استقرت على امتداد المغرب منذ الفتح الإسلامي، ولا سيما تأثير الدولتين الكبيرتين: بني رستم في تيهارت، والفاطميين في المهدية، وهما دولتان قامتا على التوحيد بين البربر والعرب في سياق واحد!!

وهذا لا يعني إهمال شأن الجهد الذي بذله البربر أنفسهم في تعلم العربية وعلوم الإسلام، حتى إننا لنجد القرن الرابع الهجري لم يكد يبزغ حتى صار كثير من البرابرة يزاحمون العرب في علوم لغة "الضاد" وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب في القواعد الأصولية والفروع الفقهية وقضايا علم الكلام.

لقد استطاع الطابع العربي أن يغلب على الثقافة منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وقد ساعد على ذلك أن الثقافة العربية جزء من الإسلام الذي هو عقيدة الأمة، وأن تاريخ الأمة منذ ثلاثة قرون هو تاريخ هذه الثقافة، وأن المغرب العربي محاط من كل أطرافه بثقافات عربية، سواء من ناحية الشمال حيث (الأندلس الإسلامية)، أو من الشرق حيث منابع الثقافة الإسلامية .. مما يجعلنا نطمئن إلى القول بأن الثقافة العربية الإسلامية قد نجحت في أن تكون الثقافة "الأم" والأولى .. منذ القرن الرابع الهجري، ونجحت في أن تكون مناط عناية الدول البربرية، على اختلاف منازعها واتجاهاتها السياسية الرسمية.

ولقد حظيت العربية باحترام البربر – أيما احترام – على وجه العموم، وقد اعتبروها لسان الأدب ولغة العلم وعنوان الثقافة، فانبلج بالتالي في القرنين الخامس والسادس الهجريين "عصر جديد أصبحت فيه اللغة العربية ربة المنزل، وصاحبة الأمر والنهي على القرائح والعقول".

وعند منتصف القرن الخامس الهجري حدث ما هو معروف من زحف القبائل العربية على المغرب العربي، ومهما يكن من الآثار السلبية التي خلفتها هذه القبائل في الحياة السياسية والاقتصادية والعمرانية (بخاصة) في المغرب العربي، فإنها كانت من الناحية الثقافية أكبر العوامل المؤثرة في تعريب الثقافة المغربية.

فقد أثرت لغة التخاطب لقبائل بني هلال وبني سليم في اللسان البربري، الذي كان طاغيًا على اللسان العربي في الأرياف، وفي المدن أيضًا، وسارت عملية الاستعراب تبعًا لعملية المزج والاحتكاك في الحياة العملية اليومية.

وقد برز بهذا المظهر الحضاري دور جديد في الآداب المغربية يسميه أحد المؤرخين المعاصرين بـ (الدور المدرسي)، وهو دور تم وضع حجره الأساس في القرن الخامس الهجري، وقد ظل هذا الاتجاه يختمر في القرن السادس الهجري، وهو دور

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٠٦