الإسلام في المدينة، وتاريخ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض جانباً كبيراً من تاريخ هذه الأمة.
وإذا دققنا في خطط القواعد الإسلامية الأولى نرى أن ظاهرة انتشار المساجد لم تكن وليدة الصدفة , بل كانت أثراً من آثار سياسة الدولة الإسلامية المرسومة لعمارة البلدان الإسلامية في البلدان المفتوحة، وترجع هذه السياسة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين كتب إلى ولاته في الأمصار أن يتخذوا مسجداً للجماعة (26).
ولقد انتشرت المساجد انتشاراً كبيراً جداً في أنحاء العالم الإسلامي، وقام الخلفاء والأمراء والأثرياء والعلماء والفقهاء ببناء المساجد في كل مدينة وقرية؛ انطلاقاً من دعوة الآيات القرآنية لتعمير المساجد وبنائها وتكريمها , والاهتمام بها على اعتبار أنها إحدى الصدقات الجارية , ولارتباطها أيضاً بالشعور الديني الحماسي العارم عند المسلمين , وبخاصة في الفترات المتأخرة من العصر.
وارتبط تاريخ التربية الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالمسجد، "ولهذا فالحديث عنه حديث عن المكان الرئيسي لنشر الثقافة الإسلامية، وقد قامت حلقات الدراسة في المسجد منذ نشأ، واستمرت كذلك على مرّ السنين والقرون، وفي مختلف البلاد الإسلامية دون انقطاع، ولعل السبب في جعل المسجد مركزاً ثقافياً هو أن الدراسات في سني الإسلام الأولى كانت دراسات دينية تشرح تعاليم الدين الجديد وتوضح أسسه وأحكامه وأهدافه , وهذه تتصل بالمسجد أوثق اتصال" (27).
لقد توسع المسلمون في فهم مهمة المسجد "فكان مصلى ومدرسة وجامعة وداراً للافتاء، ومنطلقاً للثوار والوطنيين في كل العصور، وبذلك لعب المسجد دوراً خطيراً في حياة المسلمين , وما يزال إلى اليوم مركزاً هاماً للوعي الإسلامي ... ولم تقف وظيفة المسجد التربوية عند هذا الحد بل كانت أشبه بنواد أدبية , تثار فيها المسائل والمجادلات الأدبية واللغوية المختلفة، كذلك كانت مقصداً للقصّاص يجلسون فيها , فيقصون على الناس القصص التي تجمع بين العبرة والتسلية ... وكذلك كانت المساجد مسرحاً للشعر العربي" (28).
والظاهرة الأولى من المظاهر التربوية في المسجد خطبة الجمعة التي هي "الدرس التربوي الأسبوعي للمسلمين , والتي تُلقى من على منبر المدرسة الأولى للمجتمع, وتلكم هي المسجد، ولأمر ما اقترن التعليم بالمساجد في نشأة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي؛ تجسيداً للعلم والإيمان وأهميتهما في بناء الفرد الصالح , والمجتمع الفاضل" (29).
والمساجد ملك للجماعة الإسلامية استخدمتها معاهد للتعليم "لأن العلم كان دائماً من اختصاص الجماعة، فلم تكن دول الخلافة أو دول السلاطين مسئولة عن التعليم حتى في عصر الراشدين , وإنما كان التعليم من اختصاص الأفراد والجماعة، فكانت الجماعة تتكفل بمعاش المعلمين , سواء كانوا معلمين صغاراً , يعلمون الصبيان القراءة والكتابة , ويحفظونهم القرآن، أو شيوخاً أجلاء يقرؤون علمهم على طلابهم في المسجد في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب , فلم نسمع أن الدولة قررت راتباً لمعلم أو شيخ إلا ابتداء من منتصف القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) عندما قامت المدارس" (30).